المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: تواجه السويد تحولات ديموغرافية عميقة شبيهة بما تشهده بقية دول أوروبا، مع تباطؤ النمو السكاني وارتفاع معدل الشيخوخة.

بحسب هيئة الإحصاء السويدية (SCB)، بلغ عدد سكان البلاد نحو 10.6 ملايين نسمة في منتصف العام 2025، بزيادة طفيفة لا تتجاوز خمسة آلاف شخص خلال النصف الأول من العام. ويُعزى هذا التباطؤ إلى انخفاض حاد في معدلات المواليد، حيث بلغ معدل الخصوبة 1.45 طفل لكل امرأة العام 2023، وهو الأدنى منذ بدء التسجيل الإحصائي عام 1749.

هذا التراجع، إلى جانب ارتفاع الوفيات، يهدد التوازن السكاني ويقلص قاعدة السكان في سن العمل. اليوم، يشكّل كبار السن (65 عامًا فأكثر) خُمس سكان السويد، ويتوقع أن ترتفع نسبتهم بشكل مضطّرد خلال العقود المقبلة، ما يعني عبئاً متزايداً على نظام الرفاه الاجتماعي، ومخاطر على استدامة الاقتصاد ما لم يُعالج العجز في القوى العاملة.

المهاجرون… العمود الفقري لسوق العمل

على مدى العقود الماضية، شكّلت الهجرة عنصراً أساسياً في تعويض النقص الديموغرافي. تشير الإحصاءات إلى أن نحو 20 بالمئة من سكان السويد ولدوا خارجها، وأن كامل الزيادة في قوة العمل خلال الفترة بين 2013 و2023 جاءت من المهاجرين المولودين في الخارج، بحسب منظمة البلديات والمحافظات (SKR).

ولا تقتصر مساهمتهم على الكمّ، بل تشمل قطاعات حيوية:

  • 35% من مساعدي التمريض
  • 40% من الأطباء
  • 50% من مقدمي الرعاية الاجتماعية، ينحدرون من أصول مهاجرة.

وتحذّر تقارير محلية من نقص متزايد في العمالة خلال السنوات المقبلة، إذ يُتوقع أن تحتاج البلديات إلى توظيف 75 ألف شخص إضافي بحلول العام 2033 في قطاعات الرعاية والتعليم والخدمات الاجتماعية.
أمام هذه المعطيات، يرى اقتصاديون وخبراء أن تعزيز الهجرة المنظمة يمثل خياراً واقعياً وضرورياً للحفاظ على استدامة الاقتصاد السويدي.

شعبوية اليمين وتشدّد السياسات

رغم هذه الحاجة الواضحة، تشهد السويد – مثل غيرها من الدول الأوروبية – تصاعداً في الخطاب الشعبوي المعادي للهجرة.

فمنذ انتخابات 2022، تبنّت الحكومة الحالية بقيادة أولف كريسترشون، والمدعومة من حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرف، سياسات أكثر تشدداً في مجالات اللجوء ولمّ الشمل والهجرة العامة.

لأول مرة منذ نصف قرن، لم تحقق السويد أي صافي إيجابي في الهجرة العام 2023، إذ تساوى عدد الوافدين والمغادرين. وتبرر الحكومة هذا النهج بالقول إن “الهجرة ليست حلاً دائماً” للمشكلة الديموغرافية، مستشهدة بتقديرات رئيس الوزراء بأن الحفاظ على التوازن السكاني حتى العام 2080 يتطلب 38 مليون مهاجر صافٍ، وهو رقم غير واقعي كما وصفه بنفسه.

هذا الخطاب وجد صدى لدى فئات تخشى فشل سياسات الاندماج السابقة أو ارتفاع معدلات البطالة والجريمة بين بعض فئات المهاجرين.

في المقابل، تتهم أطراف أخرى الحكومة بـ “تسييس قضية اقتصادية” واستخدام الهجرة كورقة انتخابية، رغم إسهام المهاجرين الواضح في الاقتصاد والخدمات العامة.

معضلة السويد قبل انتخابات 2026

مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة العام 2026، تتصدّر قضيتا الهجرة والشيخوخة السكانية النقاش العام في السويد.

ينقسم الرأي العام بين تيارين رئيسيين:

  • التيار المؤيد للهجرة المنظمة، الذي يضم أحزاب اليسار والوسط وعدداً من الاقتصاديين وأرباب العمل، ويرى أن الهجرة ضرورية لتعويض نقص اليد العاملة وضمان تمويل أنظمة التقاعد.
  • التيار اليميني، الذي يصوّر الهجرة الجماعية على أنها تهديد للهوية الوطنية وللأمن الاجتماعي، ويطالب بتقليصها إلى الحد الأدنى.

هذا الانقسام يتعزز بتركيبة الناخبين؛ فوفق الإحصاءات، سيكون نحو 29 بالمئة من الناخبين العام 2026 فوق سن 65 عاماً، وهي فئة تميل للاهتمام بالأمن الاجتماعي والاستقرار أكثر من قضايا الانفتاح والهجرة.

السويد تبحث عن معادلة التوازن

تحاول الحكومة مواجهة الأزمة عبر رفع سن التقاعد إلى 67 عاماً بحلول 2030، وتشجيع الإنجاب عبر تحسين دعم الأسر، إلى جانب إعادة توجيه سياسة الهجرة نحو استقطاب أصحاب الكفاءات العالية فقط.
لكن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية ما لم ترافقها رؤية شاملة توازن بين متطلبات الاقتصاد ومخاوف المجتمع.

فالسويد، مثل أوروبا عموماً، تقف اليوم أمام معادلة معقدة: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي في ظل تصاعد الخطاب الشعبوي والضغوط السياسية؟

محمد أسعد

صحفي