المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس -ر أي: أثارت إيناس الحموي، المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي والمقيمة في مالمو، العديد من التساؤلات وردود الفعل عندما صرّحت في مقابلة على تلفزيون SVT بضرورة عدم تعليم الأطفال اللغة السويدية قبل سن الخامسة، من خلال عدم إرسالهم إلى دور الحضانة. إيناس، وهي أم لثلاثة أطفال، تقول أيضاً إن عاماً واحداً فقط في الحضانة يكفي لتعلم اللغة السويدية.
من الواضح أن هناك في أي مجتمع مهاجر خطاً رفيعاً بين حماية الهوية وبين تحويلها إلى سجن. هذا الخط يتلاعب به بعض “المؤثرين” على وسائل التواصل، ممن يتاجرون بالهوية كسلعة رائجة في سوق الخوف والارتباك. في ظاهر خطابهم، يبدو أنهم يحرصون على اللغة والثقافة والدين، لكن في جوهره ما يقدمونه ليس إلا وصفة جاهزة لعزل الأطفال والأسر، وتغذية الصور النمطية التي يتلقفها المجتمع العنصري بفرح.
تقول الحموي إن من الأفضل لأبناء الأسر المهاجرة أن يتعلموا أولًا لغتهم الأم قبل تعلم السويدية. لكن الباحثة في علم التربية بجامعة مالمو، آسا ديلبلانك، تعتبر أن هذا اعتقاد خاطئ، مؤكدة أن الأبحاث دحضت هذه الفكرة منذ زمن بعيد. وكما يبدو فإن اللغة هي الحجة التي استندت إليها المؤثرة التي يتابعها أكثر من 150 ألف شخص على إنستغرام، بينما الموضوع في جوهره يتعلق بتنشئة جيل موازٍ ينفصل عن المجتمع الذي يعيش فيه.
الطفل الذي يُمنع من الحضانة أو يُحرَم من تعلم لغة البلد المضيف ليس مجرد طفل متأخر لغوياً، بل ضحية لنهج كامل: نهج يعيد إنتاج الغيتو الثقافي، ويحوّل الهوية من فضاء انفتاح إلى جدار عزل. وهنا لا تعود القضية تربوية فقط، بل اجتماعية وسياسية بامتياز، لأن نتائجها تترجم إلى صدامات مع مؤسسات الدولة، وتغذية خطاب الكراهية، وترسيخ فكرة أن المهاجر “يرفض الاندماج”.
المؤثر الذي يصرّ على هذا الخطاب ليس بريئًا؛ فهو يجمع بين حب الظهور والشهرة، مغلفاً ذلك بما يراه “حماية للهوية الإسلامية النقية في محيط متلوث”. هذه الرؤية ليست إلا صورة أخرى من الخصوصية الفوقية التي تجعل أصحابها يظنون أنهم حماة قيم عليا، بينما هم في الواقع يمارسون إقصاءً مزدوجاً: إقصاءً لأبنائهم عن المستقبل، وإقصاءً لأنفسهم عن التفاعل الإيجابي مع المجتمع الذي يعيشون فيه.
اضطراب الهوية (Identitetsförvirring) هنا لا يظهر كتشخيص نفسي فردي فحسب، بل كممارسة جماعية؛ إذ يتحول إلى تيار خطير يضعف ثقة المهاجر في ذاته من جهة، ويضعه في مواجهة مع الآخر من جهة ثانية. هذا التيه لا يبني جسراً بين الثقافات، بل يحفر هوة أعمق بين الناس، ويحوّل الاختلاف من مصدر ثراء إلى مصدر صراع.
تغذية من الطرفين
المأساة الكبرى أن هذا التيار يجد صداه عند فئات واسعة من الجمهور، فيتحول من قلق شخصي إلى وعي جماعي مشوّه. عندها تصبح كل محاولة للاندماج أو الإصلاح وكأنها خيانة، ويصبح التمسك بالعزلة بطولة. وهكذا يُغذَّى خطاب الكراهية من الطرفين: العنصري يجد دليلاً على ادعاءاته، والمؤثر يستعرض جمهوره المتزايد بفضل الخوف الذي زرعه.
إننا أمام معضلة حقيقية: جيل يُستنزف بين خطابين متطرفين، أحدهما يشيطنه باسم “المهاجر الكسول”، والآخر يحاصره باسم “الهوية المهددة”. وبين هذين الخطين يضيع جوهر التربية، ويضيع جوهر الإنسان ذاته.
أطفالنا ليسوا رهائن لمعارك الهويات ولا أدوات لتصفية حسابات ثقافية. إنهم مشاريع مستقبل، لا أدوات للشهرة ولا لرفع عدد المتابعين. ومن يزرع فيهم التيه، باسم الهوية أو باسم الخوف، إنما يساهم في تدمير المجتمعين معاً: مجتمع الأصل ومجتمع الاستضافة.
فاروق الدباغ