المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

‏‎الكومبس – رأي: منذ أن أعلنت استقالتي من الحزب الاشتراكي في شباط (فبراير) 2024، وجدت نفسي أمام سيل من الرسائل والمكالمات التي لم تتوقف. أكثر من ألف تواصل — عبر الواتساب، الماسينجر، والبريد الإلكتروني — كانت جميعها تحمل نفس الرسالة، بصوت واحد وإن اختلفت الكلمات: “افعل شيئاً”.

وفي أحد الأيام، استوقفني رجل لم ألتقه من قبل. نظر إليّ بعينين غمرهما القلق، وقال: “إذا لم تتحرك، ستكون مسؤولًا أمام الله وأمامنا وأمام أبنائنا”.

سألته بدهشة: “وماذا يمكنني أن أفعل؟

فرد بثقة وإصرار: “أسّس حزباً. اجمع الناس المشتتين حول فكرة، حول أمل. نحن كثيرون، لكننا بحاجة إلى من يوحدنا”.

لم تكن تلك مجرد لحظة عابرة. كانت نقطة تحول. لحظة شعرت فيها بثقل الأمانة، وبحجم الفراغ السياسي الذي يشعر به كثيرون.

أنا أعي تماماً مزاج الجالية الشرق أوسطية، وأفهم عمق تفاعلها مع المتغيرات السياسية بمنظور عاطفي في كثير من الأحيان. نعيش حالة من الغضب والقلق والإحباط، نتيجة لسياسات اليمين واليمين المتطرف، وننتظر بفارغ الصبر زوالهم على أمل أن يأتي ذلك بتحول إيجابي ينصفنا ويعيد إلينا كرامتنا.

لكن الحقيقة، كما أراها، أكثر تعقيداً.

علينا أن نواجه الواقع بشجاعة: الحكومة الحالية لم تولد من فراغ، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التنازلات والسياسات التي تبنتها حكومات سابقة — بعضها من أحزاب كنا نظن أنها الأقرب إلينا.

هل ننسى بسهولة؟ المظاهرات ضد سحب الأطفال و الإقامات المؤقتة وإلغاء الإقامات الدائمة؟ هل غضضنا الطرف عن زيارات سياسية رسمية تطعن في مبادئ العدالة الدولية؟

الخوف كل الخوف أن يتحوّل هذا الغضب الشعبي إلى قرارات عاطفية تفتقر للحكمة، فننتقل من أزمة إلى أخرى، ومن خيبة أمل إلى أعمق منها، ومن حفرةٍ إلى أخرى أشد ظلمة دون أن نمنح أنفسنا فرصة لبناء بديل حقيقي.

الوعي السياسي لا يُبنى على الرفض وحده، بل على ما نقبل به، وما نؤمن أنه يستحق دعمنا وثقتنا.

لهذا نشأت فكرة الحزب الجديد.

هذا الحزب ليس حزب مهاجرين، بل هو حزب سويدي بالمعنى العميق للكلمة — حزب يؤمن بقيم العدالة والمساواة والحرية والتنوع التي قامت عليها السويد.

أكثر من نصف اللجنة المؤسسة هم من السويديين، من أبناء هذا البلد الذين يشعرون، مثلنا، بأن هناك خطراً حقيقياً على مستقبل القيم الديمقراطية.

هم مثقفون، متعلمون، محبون للسويد ولكل من يعيش على أرضها. يسعون إلى بناء جسور حقيقية بين الجميع، لكي نحيا معاً في وطن يتّسع للجميع، وطن لا يُقصي أحداً، ولا يصنّف الناس حسب أصولهم أو أسمائهم أو ماضيهم.

دعوة للأمل

هذا الحزب هو دعوة إلى الأمل، إلى إعادة بناء الثقة، إلى أن نستعيد الشعور بأننا مواطنون متساوون، لنا نفس الحقوق ونؤدي نفس الواجبات.

علينا نحن، أبناء هذا الجيل ان نكون قدوة ومثلاً أعلى للأجيال القادمة، أن نرفع صوتنا بالعقل لا بالصراخ، بالحكمة لا بالانفعال. أن لا نسمح للأصوات المجهولة والمغرضة أن تزرع الشك في من يعمل من أجلنا ومن أجل مستقبل أبنائنا.

ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الانقسام، بل من يتجاوز الجدران الوهمية ويرى في الاختلاف فرصة للتكامل، لا مبرراً للتمييز.

نعم، المسؤولية كبيرة. لكن الأمل أكبر.

جمال الحاج