المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: 69 في المئة من سكان السويد اليوم يشعرون بالقلق من القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، وفق استطلاع حديث لمؤسسة Novus. الرقم بحد ذاته ليس مجرد مؤشر رأي عام، بل جرس إنذار نفسي واجتماعي. القلق لم يعد شعورًا فرديًا معزولًا، بل تحوّل إلى حالة عامة تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى لدى من لم يواجهوا أي أزمة مباشرة.

في علم النفس، الإنسان لا يعيش على الوقائع وحدها، بل على تفسيره لها. حين يتكرر الحديث عن الجاهزية الأمنية، وعن عالم أقل استقرارًا، وعن استثمارات عسكرية غير مسبوقة، فإن الدماغ يلتقط الرسالة العامة حتى لو قيل في الوقت نفسه إن الخطر المباشر منخفض. هذا التناقض بالذات هو البيئة المثالية لنمو القلق: خطر غير مؤكّد، لكنه محتمل، متعدد الأشكال، وغامض. والعقل البشري بطبيعته لا يطمئن للغموض.

تأتي التصريحات السياسية الحادة، مثل تلك التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غرينلاند وموازين القوة في الشمال، لتضيف طبقة أخرى من عدم اليقين. الرسالة التي تصل إلى الناس في أوروبا الشمالية ليست مضمون التصريحات فحسب، بل الإحساس بأن قواعد النظام الدولي نفسها باتت أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ.

لكن هذا القلق لا يُعاش بالطريقة نفسها من الجميع. المواطن السويدي الذي ينتمي إلى مجتمع لم يشهد حربًا ولا انهيارًا اجتماعيًا منذ أكثر من مئتي عام، يتعامل مع هذه التطورات غالبًا بوصفها مخاطر مستقبلية نظرية. قلقه في الغالب عقلاني، مرتبط بالاقتصاد والطاقة والاستقرار العام، ويبقى محصورًا في مستوى التفكير والتحليل.

أما المواطن من أصول مهاجرة، فالصورة مختلفة جذريًا. الغالبية جاءت إلى السويد نتيجة حروب، عنف، أو انهيارات مجتمعية مفاجئة. لذلك لا تمر الأخبار عبر العقل فقط، بل عبر الذاكرة. كلمات مثل الجاهزية، التهديدات، والتحولات السياسية قد توقظ تجارب قديمة عاش فيها كثيرون كيف يمكن أن يتحول “العادي” إلى استثناء خلال أسابيع. لهذا يبدو قلق هذه الفئة أكثر حدّة، لكنه في جوهره استجابة نفسية مفهومة ناتجة عن خبرة سابقة، لا عن مبالغة.

يزداد هذا الإحساس عمقًا عندما يترافق الخطاب الأمني مع تشديد في سياسات الهجرة والجنسية. حتى عندما تُقدَّم هذه الإجراءات بلغة إدارية أو تنظيمية، فإن أثرها النفسي على المهاجر قد يُترجم إلى أسئلة وجودية: هل تتغير السويد التي عرفناها؟ هل يصبح الانتماء مشروطًا؟ هل ما بُني خلال سنوات من العمل والاندماج يمكن أن يُعاد تقييمه سياسيًا أو اجتماعيًا؟ هنا يتحول القلق إلى قلق استباقي، لا لأنه يتنبأ بالمستقبل، بل لأنه يحاول حماية الذات من احتمال تكرار تجربة سابقة.

في هذا السياق، تتقاطع المصاعب والنجاحات بشكل مؤلم. المصاعب لا تؤلم فقط لأنها خسارة، بل لأنها تهدد الشعور بالسيطرة. والنجاح لا يمنح دائمًا الطمأنينة، لأنه قد يبدو هشًا في بيئة سياسية متغيرة. حين يشعر الإنسان أن حياته معلّقة على قرار برلماني أو مزاج رأي عام أو تطور دولي بعيد، يبدأ الدماغ بتضخيم السيناريوهات، ومراقبة الأخبار بشكل مفرط، والانزلاق من التخطيط الواقعي إلى اجترار القلق.

التحدي الحقيقي هنا ليس في إنكار الخوف ولا في تضخيمه، بل في إدارته بوعي. التمييز بين الإشارة والخطر الفعلي، استعادة السيطرة في تفاصيل الحياة اليومية، وتحويل القلق من تجربة فردية صامتة إلى حوار اجتماعي مفتوح. القلق حين يُترك وحيدًا يتحول إلى عبء نفسي، لكنه حين يُفهم ويُناقش يمكن أن يتحول إلى استعداد دون هلع.

السويد اليوم لا تواجه فقط تحديات خارجية، بل اختبارًا داخليًا صامتًا. ارتفاع القلق، كما تعكسه الاستطلاعات، رسالة يجب أن تُقرأ بجدية. ما تحتاجه البلاد في هذه المرحلة هو توحيد الخطاب، تخفيف الاستقطاب، والحفاظ على الجبهة الداخلية، لأن المجتمعات لا تضعف فقط تحت وطأة التهديدات الخارجية، بل حين يُترك الخوف دون إدارة فيتحول إلى شرخ في الثقة والانتماء.

فاروق الدباغ