المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: عندما يخرج رئيس الوزراء أولف كريسترشون ليعلن أن “العائلة السويدية أصبحت تحتفظ بنحو 5000 كرون إضافية كل شهر”، فهو لا يصف الواقع بقدر ما يعيد صياغته، لأن الواقع، ببساطة، يسير في اتجاه مختلف تماماً.
في السويد نفسها التي يُقال إن الأسر فيها “توفر”، يعيش أكثر من 340 ألف شخص تحت وطأة الديون المسجلة لدى هيئة الجباية (Kronofogden)، وأكثر من 100 ألف منهم تُقتطع أجزاء من رواتبهم قبل أن تصل إلى حساباتهم. هذه ليست زيادة في الدخل، بل عملية استنزاف مستمر لما تبقى منه.
وإذا ابتعدنا قليلاً عن لغة الأرقام ونظرنا إلى الأطفال، يصبح المشهد أكثر قسوة. طفل واحد من كل 11 ينشأ في عائلة مثقلة بالديون، ومئات الآلاف يعيشون فقراً فعلياً، لا مجرد توصيف نظري. لم يعد الأمر استثناءً، بل أصبح نمطاً اجتماعياً يتوسع عاماً بعد عام.
المواطن لا يعيش داخل جداول وزارة المالية
هنا يبدأ التصدع الحقيقي في الخطاب السياسي. فما يحدث اليوم في السويد ليس جديداً على أوروبا. في سبعينيات بريطانيا، تحدث إدوارد هيث عن “الإصلاحات الضرورية” بينما كان الناس يقفون في طوابير الوقود. وفي فرنسا، عرض إيمانويل ماكرون أرقاماً اقتصادية “مبشرة”، لكن الشارع انفجر في احتجاجات “السترات الصفراء”. المشكلة لم تكن أن الأرقام كاذبة، بل أنها لا تشبه حياة الناس.
وهذا هو جوهر ما يحدث اليوم في السويد. نعم، يمكن للحكومة أن تتحدث عن انخفاض التضخم أو تقديم تخفيضات ضريبية، لكن المواطن لا يعيش داخل جداول وزارة المالية. هو يعيش في فواتير كهرباء تلتهم ما تبقى من الراتب، وأسعار غذاء ترتفع بلا رحمة، وأقساط سكن تحولت إلى عبء يومي، ورواتب بالكاد تتحرك.
هنا تنهار رواية “5000 كرون”. ليس لأنها خاطئة بالضرورة على الورق، بل لأنها بلا معنى في الواقع. خلال العامين الأخيرين، ارتفعت حالات الإفلاس بشكل ملحوظ، وسقطت آلاف الشركات. البطالة لم تنخفض كما يُقال، بل استقرت عند مستويات مقلقة، خاصة بين الشباب وذوي الخلفية المهاجرة. كما تتزايد قضايا الديون، وقد تجاوز إجماليها 130 مليار كرون.
غير أن المؤشر الأخطر لا يظهر في الأرقام فقط، بل في التفاصيل اليومية الصامتة. عائلات تسحب أبناءها من الأنشطة الرياضية بسبب التكاليف، وشباب يؤجلون الاستقلال لأن السكن أصبح بعيد المنال، ومرضى يلغون مواعيد علاج الأسنان لعدم قدرتهم على الدفع، ومتقاعدون يضطرون للاختيار بين الدواء والطعام.
هذا ليس وضعاً عابراً، بل ملامح تحول اجتماعي عميق. ورغم ذلك، يعبّر رئيس الوزراء عن “فضوله” تجاه انخفاض معدلات الإنجاب. لكن الواقع يقول إن الناس لا يعزفون عن الإنجاب لأنهم لا يريدون الحياة، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل تكلفتها. الأمان لم يعد شعوراً، بل معادلة حسابية قاسية.
فقدان الإحساس بالانتماء
إلى جانب ذلك، هناك جانب أقل تداولاً لكنه بالغ الأهمية. في السنوات الأخيرة، غادرت أعداد متزايدة من المهاجرين العاملين، من أصحاب الكفاءات ودافعي الضرائب، السويد بصمت. لم يغادروا لأنهم فشلوا، بل لأنهم فقدوا الإحساس بالانتماء. تصاعُد الخطاب السياسي والإعلامي الذي يستهدف بعض الفئات، خاصة المسلمين، خلق بيئة يشعر فيها الفرد بأنه موضع شك دائم، لا شريك في المجتمع.
عندما يغادر من يعمل ويدفع الضرائب، لا تخسر الدولة فرداً فقط، بل تخسر مساهماً اقتصادياً واجتماعياً. الخسارة هنا ليست أخلاقية فحسب، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد والاستقرار.
وما يكشف حجم الانفصال الحقيقي ليس فقط التصريحات، بل المشاهد أيضاً. عندما يزور رئيس الوزراء مدينة مثل بورلينغه، كان بإمكانه أن يذهب إلى الأحياء المهمشة، وأن يستمع مباشرة إلى من يعيشون تحت الضغط. لكنه اختار الظهور أمام الكاميرا داخل معصرة جعة، يرتشف كأس بيرة.
المشكلة ليست في البيرة، بل في المشهد. مشهد سياسي مريح في بلد يتصاعد فيه القلق. هنا تتشكل أخطر فجوة في أي نظام ديمقراطي: فجوة الإدراك. حين تقول الحكومة “أنتم أفضل حالاً”، بينما يرد الناس بصمت ثقيل “نحن نغرق”، فإن الأزمة تتجاوز الاقتصاد لتصبح أزمة ثقة.
والتاريخ الأوروبي واضح في هذا السياق: الأنظمة لا تسقط عندما تسوء الأرقام، بل عندما يفقد الناس ثقتهم بمن يفسر هذه الأرقام. لذلك، لم يعد السؤال اليوم عن “5000 كرون”، بل عن شيء أعمق: من يعيش الواقع… ومن يكتبه؟
فاروق الدباغ