المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في مثل هذا اليوم، 19 سبتمبر من العام 1976، فتحت السويد بابًا جديدًا في تاريخها الديمقراطي. عندها تمكن المواطنون الأجانب المستوفون لشروط الإقامة، للمرة الأولى، من التصويت في انتخابات البلديات ومجالس المحافظات، كما أصبح من حقهم الترشح وتولي المناصب المنتخبة محليًا.
هذا التحول استقبلته السويد بكل ترحاب، ووافق عليه جميع أعضاء البرلمان، مقابل اعتراض صوت واحد فقط. أجواء عشتها في ذلك الوقت ونفتقدها اليوم.
عايشت تلك الفترة، وهي بالنسبة إليّ ليست مجرد واقعة أقرأ عنها اليوم في كتب التاريخ أو الوثائق الرسمية. فقد وصلت إلى السويد في بداية سبعينيات القرن الماضي، وعاصرت تلك السنوات التي كانت فيها البلاد تناقش موقع المهاجرين في المجتمع وحقهم في المشاركة والتأثير. لذلك، تحمل هذه الذكرى بالنسبة إليّ معنى شخصيًا، إلى جانب أهميتها السياسية والتاريخية.
بعد 50 عامًا، لا أرى أن هذه المناسبة تمثل مجرد ذكرى لتعديل قانوني مضى عليه الزمن. إنها أيضًا استعادة لمرحلة عشت تحوّلاتها، وفرصة لتقدير خطوة ديمقراطية مهمة، وتذكّر الأشخاص الذين مارسوا هذا الحق للمرة الأولى، وكل من أسهم في تحويل المشاركة السياسية للمقيمين الأجانب من فكرة إلى واقع.
إصلاح لم يولد من فراغ
سبق هذا الإصلاح عمل سياسي وتشريعي واسع. ففي عام 1974، شُكّلت لجنة التحقيق في حق التصويت (Rösträttsutredningen)، وفي العام التالي قُدّم التقرير الحكومي SOU 1975:15 بعنوان “حق المهاجرين في التصويت في الانتخابات المحلية” (Kommunal rösträtt för invandrare).
فيما بقي حق التصويت في انتخابات البرلمان مقتصرًا على المواطنين السويديين.
وفي عهد حكومة أولوف بالمه، انتقلت القضية إلى مرحلة التشريع من خلال المقترح الحكومي 1975/76:23. وكان وزير شؤون البلديات هانس غوستافسون الوزير المسؤول عن تقديم المقترح.
اتخذ البرلمان قراره بشأن الإصلاح في ديسمبر 1975، ودخلت التعديلات القانونية حيز التنفيذ في 1 يناير 1976، قبل أن تُطبّق للمرة الأولى في انتخابات 19 سبتمبر من العام نفسه.
ولا يمكن اختصار الفضل في هذا الإنجاز بشخص واحد. فهو ثمرة جهود سياسيين وأعضاء في لجنة التحقيق والبرلمان، إلى جانب فاعلين مجتمعيين آمنوا بأن الديمقراطية تصبح أقوى كلما اتسعت دائرة المشاركين فيها.
خطوة سبقت عصرها
تكمن الأهمية الخاصة للتجربة السويدية في أن الإصلاح لم يقتصر على مواطني دول معينة. فقد أصبح بإمكان المواطنين الأجانب، بصرف النظر عن بلدانهم الأصلية، التصويت والترشح في الانتخابات المحلية متى استوفوا شرط الإقامة.
وبذلك، ذهبت السويد أبعد من المبادرة النوردية التي كانت تُناقش آنذاك، والتي ركزت أساسًا على منح هذا الحق لمواطني دول الشمال الأوروبي.
كان وراء القرار مفهوم أوسع للمشاركة والانتماء. ففي عام 1975، قامت سياسة الهجرة والأقليات السويدية على 3 أهداف مركزية: المساواة، وحرية الاختيار، والتعاون.
وجاء حق التصويت المحلي تعبيرًا عمليًا عن مبدأ بسيط وعميق: من يعيش في مجتمع، ويعمل فيه ويدفع الضرائب ويسهم في بنائه، يجب أن تتاح له فرصة التأثير في القرارات المحلية التي تمس حياته اليومية.
لم يكن تغييرًا على الورق فقط
لم تكتفِ السويد بإقرار القانون وانتظار الناس أمام صناديق الاقتراع، بل نُفذت حملات إعلامية وتعليمية لتعريف الناخبين الجدد بحقوقهم الديمقراطية وتشجيعهم على استخدامها.
وخُصصت موارد للإعلام والتثقيف المدني، وأُعدت مواد انتخابية بلغات متعددة، في محاولة لجعل الحق القانوني إمكانية فعلية للمشاركة.
ولهذا تكتسب الوثائق الباقية من عام 1976 قيمة خاصة اليوم. ففي أرشيفات البرلمان والسلطات والأحزاب والحركات الشعبية، توجد قصة كاملة تستحق إعادة اكتشافها وعرضها، من المقترحات الحكومية ومحاضر الجلسات إلى الكتيبات والملصقات والمواد الانتخابية متعددة اللغات.
إن جمع هذه المواد وعرضها في الذكرى الـ50 لا يعنيان فقط الحفاظ على وثائق تاريخية، بل يتيحان لجيل جديد أن يرى كيف تنتقل الحقوق الديمقراطية من الأفكار والمناقشات إلى التشريعات، ثم إلى ممارسة حقيقية داخل المجتمع.
حق ديمقراطي ومسؤولية مشتركة
تغيرت السويد كثيرًا منذ عام 1976. تغيرت القواعد، وتعاقبت الأجيال، وأصبح أشخاص من مختلف أنحاء العالم جزءًا أصيلًا من المجتمع السويدي.
لكن السؤال الذي كان وراء ذلك الإصلاح ما زال حاضرًا: كيف نبني مجتمعًا يشعر فيه جميع من يعيشون فيه بأنهم جزء منه، وأن أصواتهم قادرة على التأثير؟
الديمقراطية ليست قوانين وحقوقًا مكتوبة على الورق فقط. إنها تصبح حية عندما يعرف الناس حقوقهم، ويشاركون في النقاش العام، ويتوجهون إلى صناديق الاقتراع، ويتحملون مسؤوليتهم في رسم مستقبل المجتمع الذي يعيشون فيه.
وبعد 50 عامًا على انتخابات 19 سبتمبر 1976، لدينا ما يدعونا إلى تقدير الخطوة التي اتخذتها السويد آنذاك، واستذكار السياسيين والفاعلين المجتمعيين والناخبين الأوائل الذين جعلوا هذا الإصلاح جزءًا من تاريخ البلاد.
لكن أفضل طريقة لتكريم ذلك الإرث ليست الاكتفاء بالاحتفال به، بل العمل على أن يعرف كل من يمتلك هذا الحق قيمته، وأن يستخدمه.
1976–2026: خمسون عامًا منذ أن فُتح باب جديد في الديمقراطية السويدية أمام المقيمين الأجانب. ذكرى يجب أن تعيدنا إلى الأصل، بعيدًا عن الحالات الشاذة؛ تعيدنا إلى الثقة بالمجتمع وقيمه، بعيدًا عن شذوذ صرخات خطاب الكراهية والتمييز. وكما منحنا هذا المجتمع الثقة، يجب أن نمنحه الوفاء.