كلما اقترب موعد الانتخابات السويدية المقبلة في 13 سبتمبر، تتكشف بصورة أوضح سياسات الأحزاب وخياراتها، فيما تزداد معها حدة النقاشات على صفحات ومنصات الناطقين بالعربية في السويد. وربما يكون هذا الجدل، رغم ما يرافقه أحياناً من استقطاب، مؤشراً صحياً على اهتمام متزايد بالشأن السياسي السويدي، بعد سنوات كان فيها العزوف عن المشاركة هو السمة الغالبة لدى كثيرين.
معظم هذه النقاشات يدور حول المقارنة بين الأحزاب في قضايا محددة، ولا سيما داخل كتلة يسار الوسط، في محاولة للعثور على الحزب “الأقل سوءاً”، أكثر من البحث عن الحزب الذي يعبر فعلاً عن تطلعات هذه الشريحة من الناخبين.
أكتب هذه السطور من مدينة فيسبي، عاصمة جزيرة غوتلاند، حيث أتابع فعاليات أسبوع ألميدالين السياسي، الذي انطلق في 22 يونيو ويختتم اليوم الجمعة. هذه الجزيرة الواقعة في قلب بحر البلطيق ليست مجرد وجهة سياحية أو موقع تاريخي مهم في الذاكرة السويدية، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة حاضرة أيضاً في النقاشات الأمنية والعسكرية، مع تزايد الحديث عن أهميتها الاستراتيجية في ظل الحرب الروسية الأوكرانية.
أما في هذا الأسبوع من كل عام، فتتحول غوتلاند إلى عاصمة السياسة السويدية. يجتمع فيها قادة الأحزاب، والوزراء، ورجال الأعمال، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والصحفيون، وآلاف المواطنين، في ما يوصف بأنه أحد أكبر المنتديات الديمقراطية المفتوحة في العالم، حيث تمتزج السياسة بالنقاشات العامة، وتصبح الشوارع والساحات مسارح مفتوحة للحوار.
الطقس هنا مثالي لصيف سياسي ساخن، قبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، ألقى رؤساء الأحزاب السبعة كلماتهم، ولم يتبق سوى كلمة رئيسة حزب اليسار نوشي دادغوستار، المقرر أن تختتم بها فعاليات الأسبوع مساء اليوم.
الجميع يقول ما يريد باستثناء رؤساء الأحزاب
ومن خلال متابعة هذه الفعاليات خرجت بانطباع قد يبدو متناقضاً. هنا تشعر بأن الجميع يستطيع أن يقول ما يريد، وأن يعبر عن رأيه بحرية كاملة. الجميع تقريباً… باستثناء رؤساء الأحزاب أنفسهم.
قد تبدو هذه المفارقة غريبة، لكن الحملات الانتخابية تفرض على السياسيين قيوداً لا تقل تأثيراً عن أي قيد آخر. فمعظم الخطابات بدت وكأنها مكتوبة وفق رسائل محددة وشعارات جرى اختبارها مسبقاً، بحيث يكرر كل زعيم حزبي العبارات التي يعتقد مستشاروه أنها الأكثر تأثيراً على الناخبين.
اليوم مثلاً، كرر رئيس الوزراء ورئيس حزب المحافظين أولف كريسترشون أكثر من مرة تعبير “الإرهاب الرومانسي” في هجومه على حزب اليسار، بينما ركز قادة آخرون على شعارات الأمن والجريمة والهجرة، أو الاقتصاد والرعاية الاجتماعية، كل بحسب أولويات حملته الانتخابية.
لكن اللافت بالنسبة لي كان شيئاً آخر.
من بين رؤساء الأحزاب الذين تحدثوا حتى الآن، كان جيمي أوكيسون، رئيس حزب ديمقراطيي السويد، الوحيد الذي ذكر غزة بالاسم. لكنه لم يفعل ذلك للحديث عن الكارثة الإنسانية أو معاناة المدنيين والأطفال، وإنما في سياق تأكيد دعمه لإسرائيل، التي وصفها بأنها “قوة خير” في حربها ضد الإسلاميين.
وفي المقابل، غاب الحديث عن غزة تماماً عن كلمات معظم رؤساء الأحزاب الآخرين، بمن فيهم أولئك الذين اعتاد كثير من الناخبين من أصول مهاجرة اعتبارهم أكثر قرباً من قضاياهم.
بعد انتهاء كلمة رئيسة الاشتراكيين الديمقراطيين، مجدلينا أندرشون، عبّر لي رجل أعمال سويدي معروف، وقيادي أيضاً في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، عن استيائه من غياب أي إشارة إلى غزة في الخطاب، وقال لي حرفياً: “لقد خذلتْ أطفال غزة”.
قد يتفق البعض مع هذا التقييم، وقد يختلف آخرون معه، لكنه يعكس شعوراً موجوداً لدى شريحة من الناخبين الذين كانوا ينتظرون، على الأقل، موقفاً إنسانياً تجاه ما يجري هناك.
خيارات المهاجرين
بين تجاهل بعض الأحزاب، وإغراق الخطاب السياسي باتهامات الإرهاب والإسلاموية والتطرف، يجد كثير من الناخبين من أصول مهاجرة أنفسهم أمام خيارات صعبة. خيارات لا يشعرون بأنها تمثلهم بالكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تترك لهم ترف الانسحاب من العملية الديمقراطية.
وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر في انتخابات هذا العام. فالإحباط قد يدفع بعض الناس إلى مقاطعة الانتخابات، بينما ينتظر آخرون هذه المقاطعة لاستثمارها سياسياً، سواء عن قصد أو عن جهل، لأن كل صوت لا يُدلى به هو في النهاية خدمة مجانية لمن ينجح في حشد مؤيديه.
وأنت تستمع إلى خطابات رؤساء الأحزاب، تدرك أن لا شيء مثالياً، حتى هنا، في جزيرة توصف بأنها رمز للديمقراطية والحرية. وتدرك أيضاً أن غياب الصوت هو الذي يشجع الآخرين على تجاوزك، أو الحديث عنك بدلاً منك، أو تجاهل القضايا التي تعنيك، سواء كانت تبدأ بمشقة تأمين لقمة العيش، أو تمتد إلى الاهتمام بما يحدث في غزة أو في أي مكان آخر من العالم.
قد تكون الخيارات المتاحة مُرّة، وربما يشعر كثيرون بأنهم لا يجدون الحزب الذي يعبر عنهم بالكامل. لكن الديمقراطية لا تمنحك دائماً فرصة اختيار الخيار المثالي، بل تمنحك حق التأثير في النتيجة.
ولهذا، حتى لو كانت الخيارات كلها مُرّة، يبقى تسجيل الحضور واجباً، والمشاركة ضرورة، لأن الصوت الذي لا يستخدم من قبل صاحبه… يمكن أن يشكل فراغاً يستغله الآخرون.
محمود آغا