المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: لا تُلغي مناسبة “أسبوع يارفا”، التي تبدأ غداً الأربعاء، الخلافات السياسية، ولا ينبغي لها ذلك. لكنها تمنح ما هو أكثر أهمية، فرصة لأن يرى المختلفون بعضهم بعضاً خارج الصور النمطية والقوالب الجاهزة، وأن يشعر المواطن البسيط، ولو لساعات قليلة، أن صوته لا يضيع بالضرورة خلف جدران المؤسسات البعيدة.
وربما لهذا يحتفظ كثير من زوار يارفا بذكريات خاصة عن لقاءات مباشرة مع سياسيين وناشطين من اتجاهات متعددة، لقاءات امتلأت بالأسئلة والصور والاختلافات والهموم اليومية، كما حملت معها مقترحات متنوعة للحلول. وقد لا تغيّر تلك اللحظات الواقع فوراً، لكنها تبني الثقة وتحافظ على خيط الحوار، وهو خيط لا يقل أهمية عن القرارات نفسها.
لقد عرفت يارفا، عبر سنوات، حضوراً متكرراً ومميزاً لقيادات سياسية وفاعلين مدنيين التقوا بعامة الناس دون حواجز عالية أو لغة رسمية جامدة. وهناك، في ساحاتها المفتوحة، تصبح السياسة أقل تجريداً وأكثر إنسانية وبناءً.
فالديمقراطية، حين تقترب من الناس وتراعي ظروفهم وتطلعاتهم دون تعالٍ أو إقصاء، تستعيد شيئاً من روحها الأصيلة. وليس في ذلك تزكية لحزب أو انحياز لتيار، لأن قيمة السياسة لا تُقاس بالشعارات والأسماء وحدها، بل بقدرتها على تقليص المسافة بين القرار والناس، وبين السلطة والمجتمع، بحيث يشعر المواطن أن صوته حاضر لا هامشي.
وربما لهذا يصح وصف هذه المساحة، مجازاً، بـ”ديمقراطية الغلابة” أو “ديمقراطية المهمشين”؛ أولئك الذين لا يطلبون أكثر من أن يُسمَعوا وأن تُراعى ظروفهم.
الوجه الآخر للمواسم الانتخابية
غير أن هذه الصورة الإيجابية لا تحجب الوجه الأكثر تعقيداً للمواسم الانتخابية. فالانتخابات وحملاتها لا تستخرج من المجتمعات أفضل ما فيها فقط، بل قد تستدعي أيضاً أكثر مخاوفها حساسية وقابلية للاستقطاب. ومع الضغوط الاقتصادية وتزايد القلق المرتبط بالأمن أو الخدمات أو الهوية، يصبح الإغراء كبيراً أمام بعض الخطابات السياسية والأيديولوجيات التي تُبسّط قضايا معقدة أو تُضخم مشاهد محدودة بحثاً عن إجابات سريعة لأسئلة شديدة التشابك.
وهكذا تتحول ملفات الهجرة والجريمة والاندماج والرموز الثقافية أو الدينية إلى ساحات صاخبة للنقاش العام.
ولا خلاف على أن هذه الملفات تستحق نقاشاً جاداً، وأن للمجتمع، بكل فئاته، الحق الكامل في مساءلة سياساته وتقييم نتائجها ومراجعة خياراته. غير أن مكمن الخطر لا يكمن في طرح الأسئلة، بل في الطريقة التي تُطرح بها.
فالاستقطاب يبدأ حين تتحول القضايا الإنسانية المركبة إلى شعارات شعبوية أو معارك رمزية تغذي الخوف أكثر مما تتفهم دوافعه وتعالج أسبابه. وحين تتحول المخاوف المشروعة إلى وقود لخصومات هوياتية سهلة، تضيق مساحة الفهم وتتسع المسافات النفسية والاجتماعية.
وقد تحاول جهات خارجية، بدورها، استغلال بعض هذه الملفات للتأثير في المزاج السياسي الداخلي وتوجيه نقاشاته، وهو احتمال يستحق الانتباه والحذر.
ما الذي يشغل الناس فعلاً؟
المجتمع لا يخسر حين يناقش قضاياه بوضوح وواقعية، بل حين يُستدرج إلى صراعات تُبعده عن أولوياته الكبرى.
فالمواطن الذي يُرهقه الغلاء، أو ينتظر طويلاً للحصول على العلاج المناسب في الوقت والمكان المناسبين، أو يقلقه مستوى التعليم والبيئة الدراسية، لا يبحث دائماً عن خصم ثقافي أو ديني أو فئوي، بقدر ما يبحث عن سياسات تمنح طمأنينة أكبر وتحسن ظروف الحياة اليومية وترفع من مستوى رفاهيتها.
ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى قدر من التواضع السياسي.
فلا حزب يمتلك الحقيقة كاملة، ولا تيار واحداً قادراً على اختزال مجتمع متعدد ومتداخل مثل المجتمع السويدي. كما أن تحويل الخلافات الطبيعية إلى حالة استنفار دائم لا ينتج بالضرورة مواطنين أكثر وعياً، بل قد يخلق مجتمعاً أكثر إنهاكاً وأقل ثقة بنفسه وبمستقبله.
بين النقد البنّاء والتحريض
ومن هنا تبرز ضرورة مقاومة خطاب الكراهية والتحريض، أياً كان مصدره وأياً كانت الفئة المستهدفة.
فالمشكلة لا تكمن في أسماء المصطلحات أو اختلاف المظاهر وحدها، بل في السلوك العدائي حين يُزرع الشك الجماعي الموجَّه بين المواطنين ويتحول إلى ثقافة، وفي اللغة التي تدفع الناس إلى رؤية بعضهم باعتبارهم تهديدًا دائمًا بدلاً من شركاء في وطن واحد تجمعهم مصالح وأهداف مشتركة.
ولا يعني ذلك تحصين أي فكرة من النقد أو إغلاق أبواب النقاش؛ فالمجتمعات الحرة لا تنمو إلا بالحوار والمساءلة والنقد المسؤول. وثمة بون شاسع بين نقد موضوعي يبحث عن حلول وإصلاح، وبين خطاب يبحث عن شماعة وخصوم وأعداء.
مفترق الطريق
واليوم تبدو السويد، مثل كثير من الديمقراطيات المعاصرة، أمام مفترق طرق:
إما أن تسمح للمخاوف المتبادلة بتعميق المسافات النفسية والاجتماعية حتى يبدو الوطن جزراً متباعدة لا يجمعها سوى القانون والجغرافيا.
وإما أن تستثمر تنوعها بوصفه فرصة لمراجعات أكثر نضجاً واتزاناً لمستقبل العيش المشترك والعدالة الاجتماعية.
غير أن الإجابة عن هذه التساؤلات لا يملكها السياسيون وحدهم، ولا ينبغي أن يستأثروا بها دون غيرهم.
فالأوطان الحية لا تُدار من أبراج عاجية، بل تُبنى في تفاصيل الحياة اليومية: في البيوت والمدارس والطرقات، وفي التعاون بين الجيران وزملاء الدراسة والعمل، وفي أسلوب خطابنا داخل الأحزاب ودور العبادة ومؤسسات المجتمع، وفي قدرتنا على الإصغاء واحترام اختلافاتنا.
هذه الركائز الإنسانية التواصلية التفاعلية هي الضمانة الحقيقية لبقاء الوطن ملاذاً صالحاً لكل أبنائه.
عندما يهدأ الضجيج
ولعل الدرس الأهدأ الذي يقدمه تزامن عيد الأضحى المبارك مع “أسبوع يارفا” هذا العام، بعد أن تهدأ المنصات وتُطوى اللافتات وتغادر الحملات الانتخابية الشوارع والساحات، هو أن اللقاء لا يزال ممكناً.
وأن السياسة، مهما اشتدت المنافسة بين أهلها، لا ينبغي أن تنسى وظيفتها الأولى: أن تُقرّب بين الناس أكثر مما تُباعد بينهم، وأن تساعدهم على إدارة اختلافاتهم وشؤونهم بعدالة وإنصاف وحكمة، لا على تحويلها إلى خوف دائم أو خصومة لا تنتهي.
فالسويد وطن يتسع لمواطنيه بالعدالة والصدق والمصداقية، وبالتنوع والاختلاف، وبالثقة والبناء والتعايش السلمي.
أما الديمقراطية وأجواء الشورى، في أسمى معانيها، فليست أن ينتصر طرف ليمحو آخر، بل أن تبقى القدرة على رعاية شؤون المجتمع وإدارته بعدالة أوسع وأشمل، وأن يظل الحوار قائماً رغم الخلاف، وأن تبقى المسافات بين الناس أقصر، والعلاقات بينهم أدفأ، من تلك التي يصنعها الخوف.
طاهر أبو جبل