المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في صباح 28 نوفمبر 2025، كانت برودة مالمو المعتادة تسيطر على الأجواء، لكن داخل قاعة “Studio”، كانت حرارة النقاش ترتفع. خلال الإفطار السنوي لمؤسسة “Altitude” (مؤسسة غير ربحية تُعنى بتعزيز المجتمع الديمقراطي المستدام)، كان السؤال المعلق في رؤوس نخب المجتمع السويدي الحاضرين هو: “ما الذي يحدث للعالم؟”.

الإجابة لم تكن نظرية، بل جاءت كصفعة. وقف الكاتب كارل أندش ميلدنر وعرض رقماً واحداً كان كافياً لتبديد كل الأوهام: “اليوم، يعيش 12% فقط من سكان العالم في ديمقراطيات كاملة”.

ساد الصمت. وبينما كنا نحاول ابتلاع هذا الرقم المرعب مع قهوة الصباح، لم أستطع منع عقلي من القفز نحو مفارقة تاريخية غريبة. هذا “النادي الحصري” (الـ 12%) ليس دليلاً على عطل في الديمقراطية؛ بل ربما هو الدليل على أنها تعمل تماماً كما صُممت نسختها الأصلية. فأول ديمقراطية حديثة وفرت المساواة والرفاهية لطاقمها لم تولد في البرلمانات الأوروبية الفاخرة. بل ولدت على ظهر سفينة قراصنة.

دستور القراصنة: الـ “Folkhemmet” الأول

دعونا ننسى خرافات هوليوود قليلاً. من شاهد حلقة “الدحيح” بعنوان “كيف تصبح قرصاناً؟” يدرك ما أتحدث عنه. القراصنة كانوا، للمفارقة، الرواد الحقيقيين للديمقراطية “المسورة”.

في الوقت الذي كان فيه بحارة أوروبا يُجلدون بقرارات الملوك، كان القراصنة ينتخبون قادتهم بالتصويت المباشر. بل إنهم ابتكروا نظام “تأمين صحي” لتعويض المصابين قبل قرون من أن تخطر “الفورشيكرينغ كاسان” (Försäkringskassan) على بال أحد. ببساطة، وقبل أن يبني “بير ألبين هانسون” الحلم السويدي، شيد القراصنة “الـ Folkhemmet” (بيت الشعب) الخاص بهم فوق الأمواج. كانت “يوتوبيا” عادلة وديمقراطية جداً. لكن بشرط واحد: أن تكون جزءاً من الطاقم. أما إذا كنت خارج السفينة؟ فأنت مجرد هدف للنهب.

نحن القراصنة الجدد

لنكن صريحين ونعترف بالحقيقة التي تحاشى الجميع ذكرها في القاعة: نحن، الـ 12%، هم طاقم تلك السفينة.

رفاهية القراصنة كانت تُموّل من “غزواتهم”. ونحن في الغرب الديمقراطي بنينا “حديقة” جميلة من الحقوق، لكن سور هذه الحديقة يعتمد في ثباته على استغلال “الغابة” الخارجية. ملابسنا الرخيصة، معادن هواتفنا الذكية، وحتى جلسة “الفيكا” (Fika) الهادئة التي نستمتع بها، كلها متاحة لأن الـ 88 بالمئة يعيشون في وضع أضعف. الرفاهية السويدية، وحالة “Trygghet” (الأمان) التي نقدسها، مدفوعة الفاتورة جزئياً من موارد الجنوب العالمي.

تمرد على سطح السفينة السويدية

الأخطر من ذلك، أن مرض “سفينة القراصنة” وصل إلى سطحنا هنا في السويد. شعار القراصنة كان “المساواة للطاقم”، لكننا اليوم نرى الدائرة تضيق حتى على من هم في الداخل بحجة حماية “القيم السويدية” (Svenska värderingar). حين نسمع مطالبات سياسية بهدم المساجد، فهذا يعني تحويل حرية الاعتقاد من حق إلى امتياز. وحين تناقش الحكومة “قانون الوشاية” (Angiverilagen) لإجبار الطبيب والمعلم على لعب دور الشرطي، فنحن نكسر الثقة المجتمعية، ونلقي بأفراد من طاقمنا في البحر لنحافظ على رفاهية البقية.

مدافع القرن الحادي والعشرين

قد تبدو استعارة القراصنة قاسية، لكن دعونا نحكم على الأفعال لا الخطب. السويد التي طالما افتخرت بكونها “قوة إنسانية عظمى” (Humanitär stormakt)، باتت ترساً في منظومة تغلق الأبواب وتحاصر الموانئ. رأينا هذا في العراق 2003، ونراه بصورة أكثر فجاجة ووحشية في غزة. ما يحدث هناك ليس “حرباً” تقليدية، بل سحق صناعي لسكان محاصرين. ومع ذلك، وبينما نناقش نحن (الـ 12%) تفاصيل القانون الدولي في برلماناتنا المكيفة، نستمر في توفير الغطاء الدبلوماسي والسلاح. بالنسبة للجنوب العالمي، حديثنا عن “حقوق الإنسان” بات يشبه علم القراصنة: رمز للنفاق، لا للعدالة.

إما النظام البيئي أو الغرق

القلق الذي خيم على مؤتمر Altitude كان سببه إدراك الجميع لحقيقة واحدة: “حفلة القراصنة” انتهت. الـ88% لم يعودوا يقبلون دور الضحية الصامتة.

المخرج الوحيد طرحته المتحدثة ربى غضبان (القادمة من واقع العمل في فلسطين) حين دعتنا للتوقف عن رؤية العالم كسفن منعزلة، والبدء في رؤيته “كنظام بيئي” (Ecosystem). عقلية القرصان تقول: “أنا آخذ منك لأبني جنتي”. عقلية النظام البيئي تقول: “إذا غرقتَ أنت، سأغرق أنا”.

الخيار أمام ديمقراطياتنا ليس ترفاً فكرياً. الخيار بسيط وقاسٍ: إما أن نفكك سفينة القراصنة طواعية وننضم للعالم، أو ننتظر اللحظة الحتمية التي يقرر فيها الطوفان إغراقنا جميعاً.

لقد تحول المدّ بالفعل.. فهل نعرف كيف نسبح؟

قتيبة العال

باحث ومهتم بالشأن الاجتماعي والاقتصادي في السويد