المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: أظهرت الانتخابات السويدية الأخيرة مرة أخرى أن الديمقراطية قادرة على إحداث التغيير عبر صناديق الاقتراع، وأن الناخبين يستطيعون الرد على السياسات والخطابات التي لا يريدونها بالطريقة الأقوى في النظام الديمقراطي: بأصواتهم.
ومن بين الرسائل التي تستحق التوقف عندها في هذه الانتخابات، تراجع حزب ديمقراطيو السويد SD مقارنة بنتيجته في انتخابات 2022.
بالتأكيد، لا يمكن تفسير نتيجة حزب أو انتخابات كاملة بسبب واحد. فالسويديون يصوتون انطلاقاً من اهتمامات مختلفة: الاقتصاد، والبطالة، والجريمة، والمدارس، والرعاية الصحية، والضرائب، والهجرة، والطاقة، وغيرها.
لكن هناك أيضاً رسالة سياسية يصعب تجاهلها: العنصرية وخطاب الكراهية والاستقطاب لا يمكن أن تكون مشروعاً دائماً لبناء السويد.
خطاب الإسلام والمسلمين والهجرة
خلال السنوات الماضية، تصاعد خطاب سياسي وضع الإسلام والمسلمين والهجرة في قلب كثير من مشكلات البلاد. وشهد النقاش العام تصريحات ومواقف مثيرة للجدل حول المساجد والحجاب والإسلام والهوية، وكان من أبرز أصحابها سياسيون في ديمقراطيي السويد، بينهم يمي أوكيسون وريشارد يومسهوف.
وبالنسبة إلى كثير من المسلمين في السويد، لم تعد بعض هذه القضايا نقاشاً سياسياً بعيداً عن حياتهم اليومية، وإنما أصبحت تمس شعورهم بالمساواة والانتماء وحقوقهم كمواطنين.
وهنا ربما تكمن واحدة من أهم رسائل الانتخابات.
المسلمون في السويد ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا ينبغي أن يصبحوا كذلك.
فالمسلم الذي يعيش في السويد قد يكون يسارياً أو يمينياً أو وسطياً. وقد يهتم أحدهم بالضرائب، وآخر بالمدارس، وثالث بالجريمة، ورابع بالهجرة، وخامس بالاقتصاد أو البيئة أو الرعاية الصحية.
وهذا أمر طبيعي، لأن المسلمين ليسوا مجتمعاً منفصلاً عن المجتمع السويدي، وإنما جزء من تنوعه.
لكن عندما يشعر أشخاص مختلفون في توجهاتهم السياسية بأنهم مستهدفون بسبب دينهم أو أسمائهم أو أصولهم، فمن الطبيعي أن يصبح رفض هذا الاستهداف قضية مشتركة بينهم.
وهذا هو الفارق الذي يجب فهمه جيداً.
ليس بالضرورة أن يكون المسلمون قد توحدوا خلف حزب واحد، ولكن خطاباً رأى كثيرون أنه يستهدفهم يمكن أن يكون قد وحّد قطاعاً واسعاً منهم ضده.
الاختلاف بعد الموقف المشترك
وبعد ذلك يعود الاختلاف.
يعود المسلم المحافظ إلى أفكاره، واليساري إلى أفكاره، والليبرالي إلى أفكاره. وتعود المرأة المحجبة التي تريد حماية حقها في ارتداء الحجاب إلى الاختلاف مع غيرها حول الضرائب والمدارس والاقتصاد. ويعود صاحب المطعم والعامل والطبيب والطالب والعاطل عن العمل والمتقاعد إلى الاهتمام بقضاياه اليومية، مثل بقية المجتمع.
وهذه في الحقيقة علامة اندماج، وليست علامة انعزال.
فالاندماج الحقيقي لا يعني أن يصوت جميع المسلمين بالطريقة نفسها، بل العكس تماماً. يعني أن يصبح المسلم ناخباً مثل غيره: لديه عشرات القضايا والاهتمامات، ويغيّر حزبه عندما تتغير أولوياته، ويختلف مع مسلم آخر كما يختلف سويدي مع سويدي آخر.
لكن هناك حدوداً يصبح عندها الاختلاف السياسي شيئاً آخر.
عندما يشعر المواطن بأن حقه في ممارسة دينه أو ارتداء الحجاب أو بناء مسجد أو العيش كمواطن متساوٍ أصبح موضع تشكيك، فقد تتراجع بقية الخلافات مؤقتاً أمام سؤال أكثر أساسية: هل أنا مواطن كامل الحقوق في هذا البلد؟
رسالة إلى الأحزاب السويدية
ومن هنا يجب أن تقرأ الأحزاب السويدية الرسالة بعناية.
لا يكفي أن يُنظر إلى أصوات الناخبين من أصول مهاجرة باعتبارها أصواتاً يمكن تعبئتها بالخوف، كما لا يجوز النظر إلى المسلمين باعتبارهم كتلة انتخابية مضمونة لهذا الحزب أو ذاك.
من يريد أصوات هؤلاء مستقبلاً عليه أن ينافس عليها سياسياً، كما ينافس على أصوات بقية السويديين.
عليه أن يقنعهم ببرنامجه الاقتصادي، وسياساته في المدارس والرعاية الصحية والجريمة والوظائف والضرائب والسكن والطاقة. وعليه أيضاً أن يقنعهم بأن حقوقهم كمواطنين ليست محل مساومة انتخابية.
وفي المقابل، تقع على المسلمين والمواطنين من خلفيات مهاجرة مسؤولية لا تقل أهمية.
فالمواطنة ليست حقوقاً فقط، وإنما مسؤوليات أيضاً: احترام القانون، والمشاركة في المجتمع، والعمل، والمساهمة في أمن البلاد واستقرارها، واحترام حرية الآخرين، ورفض التطرف والكراهية والعنصرية أياً كان مصدرها.
ولا ينبغي أن تتحول مواجهة العنصرية إلى انعزال، ولا مواجهة خطاب الكراهية إلى خطاب كراهية مضاد.
الجواب الأقوى هو المشاركة.
أن تصوّت، وأن تنخرط في المجتمع، وأن تناقش وتنتقد وتختلف، وأن تثبت بالفعل أنك جزء من هذا البلد ومن مستقبله.
الانتخابات تنتهي والمجتمع يبقى
لقد انتهت الانتخابات، لكن رسالتها لا تنتهي بإعلان المنتصر والخاسر.
فالسلطة تتغير، والأحزاب تتقدم وتتراجع، وهذه طبيعة الديمقراطية. أما المجتمع فيبقى، والناس الذين اختلفوا في صناديق الاقتراع سيعيشون في الأحياء نفسها، ويرسلون أطفالهم إلى المدارس نفسها، ويعملون في المؤسسات نفسها، ويتقاسمون المستقبل نفسه.
ولذلك فإن الرسالة الأهم ليست أن فئة انتصرت على أخرى.
الرسالة هي أن العنصرية وخطاب الكراهية قد يحققان مكاسب سياسية في مرحلة ما، لكنهما لا يستطيعان أن يكونا أساساً دائماً لبناء مجتمع متماسك.
وربما أثبتت هذه الانتخابات شيئاً آخر أيضاً:
يمكن لخطاب يستهدف المسلمين أن يدفع كثيرين منهم إلى الاجتماع في موقف دفاعي مشترك، لكنه لن يجعلهم كتلة واحدة إلى الأبد.
لأنهم، ببساطة، مختلفون.
مختلفون في السياسة والاقتصاد والثقافة والأولويات وطريقة الحياة، تماماً كما يختلف بقية السويديين.
وهذا هو الطبيعي.
وهذه هي السويد التي يجب أن نحافظ عليها: بلد يستطيع فيه الإنسان أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو بلا دين، من أصول سويدية أو مهاجرة، وأن يبقى في النهاية مواطناً لا يحتاج إلى إثبات حقه في الانتماء.
لعل أهم رسائل الانتخابات الأخيرة، هي أن السويد وطن لجميع مواطنيها، والديمقراطية الحقيقية لا تظهر فقط فيمن يفوز بالانتخابات، وإنما في قدرتنا بعد الانتخابات على العيش مع اختلافاتنا دون أن نحول بعضنا بعضاً إلى أعداء.
سعيد عزام