المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد في كل عام سؤال البداية: متى نصوم؟ وتتسارع التوقعات الفلكية، وتتناقل المنصات الرقمية أخبارًا متباينة، ويحتدم النقاش حول ثبوت الرؤية من عدمها. غير أن الحقيقة التي ينبغي تأكيدها أن دخول شهر رمضان لا يُبنى على الشائعات، ولا على الاجتهادات الفردية، ولا على مجرد التوقعات، وإنما يُحسم وفق منهجٍ علميٍّ وشرعيٍّ منضبط.
فالجهات المختصة في كل بلد تعتمد مساراً واضحاً يجمع بين الحسابات الفلكية الدقيقة التي تُحدِّد إمكانية الرؤية، وبين التحري الشرعي الميداني للهلال، ثم إثبات الشهادة وفق الضوابط المقررة. ولا يُعلن دخول الشهر إلا بعد استكمال هذه الإجراءات التي تضمن الدقة والانضباط وتحقيق المصلحة العامة للأمة.
إن هذه المنهجية ليست إجراءً إدارياً شكلياً، بل هي صيانةٌ للعبادة من الفوضى، وحمايةٌ لوحدة المجتمع من الاضطراب.
يوم الشك.. العبادة لا تُبنى على التردد
من المسائل التي تتكرر مع نهاية شهر شعبان ما يُعرف فقهياً بـ”يوم الشك”، وهو اليوم الثلاثون من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال ثبوتاً شرعياً معتبراً.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قاعدةٍ حاسمة في هذا الباب حين قال: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمَّ علَيْكُم فأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ).
فالأصل أن الصوم معلق بثبوت الرؤية، لا بمجرد الاحتمال. ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى النهي عن صيام يوم الشك بنية الفرض احتياطاً لرمضان؛ لأن العبادات تُؤدى بيقين لا بتردد، وبانضباط لا بقلق.
إن الاحتياط الحقيقي ليس في المبادرة بالصوم قبل ثبوت الشهر، وإنما في الالتزام بالمنهج الذي رسمه الشرع الحنيف.
اختلاف المطالع.. الاجتهاد المُعتبر لا يُبرر الفرقة
أما الاختلاف في إمكانية رؤية الهلال بين البُلدان، فهو أمر وارد من الناحية الفلكية؛ إذ تختلف المطالع باختلاف المواقع الجغرافية، فقد يُرى الهلال في بلد ولا يُرى في آخر. غير أن البحث الفقهي المؤصل لا يتعامل مع الرؤية بوصفها واقعةً فلكيةً محليةً معزولة، بل ينظر أيضاً في أثر اختلاف المواقع ومطالعها على وحدة المسلمين في الصوم والإفطار.
فذهب جمهور العلماء، وأغلب المجامع الفقهية، إلى أن ثبوت الرؤية في بلدٍ يُلزم غيره متى اشتركوا في جزءٍ من الليل، تحقيقًا لوحدة الأمة، استنادًا إلى عموم الخطاب النبوي الشريف. كما رأى آخرون اعتبار خصوصية كل بلد إذا تباعدت الأقاليم ولم تشترك في جزء من ليلة الرؤية.
واختلاف المطالع عند تباعُد الأقطار مسألة فقهية قديمة تداولها العلماء عبر العصور، وهي من قبيل التنوع الاجتهادي في الفروع، لا التضاد في الأصول، وهي اجتهادات مُعتبرة لا تمس أصل الدين، ولا تقدح في صحة الصيام.
رمضان.. مدرسة للوحدة
رمضان ليس موسماً للانقسام، بل فرصةٌ للتواصل والاجتماع، وموسمٌ لتجديد المعاني المشتركة بين الناس، مهما تنوعت أصولهم وثقافاتهم.
رمضان.. شهرٌ تُغلق فيه أبواب الشياطين، فكيف تُفتح فيه أبواب الجدال؟
وإذا كان الاختلاف في بعض تفاصيل المطالع والرؤية مساءل اجتهادية معتبرة، فإن حسن إدارة الخلاف هو القيمة التي ينبغي أن نحافظ عليها.
فالناس تبعٌ لما تعلنه الجهات المختصة في بلدانهم، وصيامهم صحيح ما دام قائماً على اجتهاد أهل الاختصاص وإعلانٍ رسمي منضبط.
ورمضان فرصة للتواصل والوحدة ومدرسة للانضباط وليس موسماً للجدال، فدعوا الهلال يُولد في هدوء، ويهلَّ بأمنٍ وإيمانٍ وسلام، ودعوا القلوب تستقبل رمضان بالطمأنينة لا بالخصام.
فما أجمل أن نستقبل أول لياليه بصفوفٍ موحَّدة، وقلوبٍ موحِّدة، ويقينٍ لا غبش فيه. فتقوى القلوب هي المقصد الأهم من رمضان بصيامه وقيامه، وبما يُقدَّم فيه من خيرٍ للنفس وللآخرين، وإن اختلفت الأصول والثقافات.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }. { وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ }. { ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }.
نسأل الله تعالى أن يكون رمضان شهر خيرٍ وسلامٍ علينا وعلى المسلمين أجمعين، وعلى مجتمعنا السويدي بكل مكوناته، وعلى العالم أجمع.
وكل عام وأنتم والأمة الإسلامية ومجتمعنا السويدي والعالم أجمع بخير
طاهر أبوجبل