فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك لا يمكن أن يكون مجرد حدث محلي أمريكي، لأن صداه يتجاوز نيويورك ليصل إلى أوروبا، وخصوصاً إلى السويد، التي تستعد لانتخاباتٍ تتصاعد فيها نبرة اليمين المتطرف وخطابه المعادي للمهاجرين ولليسار.

هذا الانتصار التاريخي لعمدةٍ مسلمٍ اشتراكي في واحدة من أكبر مدن العالم يشكل تحدياً رمزياً قوياً لذلك الخطاب الإقصائي الذي يحاول أن يجعل من الهوية الدينية أو الانتماء الفكري تهمة أو مادةً للسخرية.

لقد باتت كلمات مثل اشتراكي أو “يساري” في بعض أوساط الخطاب السياسي السويدي تُستخدم للتنمر وأحياناً كإهانة أو وصمة عار، تماماً كما كانت تُستقبل في أمريكا قبل سنوات قليلة. واليوم يبرهن فوز ممداني أن الناخبين يمكن أن يختاروا العدالة الاجتماعية والتعددية والكرامة الإنسانية على حساب الخوف والكراهية، إذا شعروا أن الديمقراطية ما زالت تحمي الجميع.

صحيح أن نيويورك ليست السويد، لكن هذا الحدث يمنح كل التيارات السياسية اليسارية والليبرالية وغيرها وحتى المكوّنات داخل المجتمع السويدي، من المهاجرين، دفعة ثقة بالنفس وإيماناً بأن المشاركة السياسية يمكن أن تغيّر المعادلة مهما بدا المشهد مظلماً. إنه تذكير بأن الطريق إلى التعددية والاحترام المتبادل لا يُغلق إلا إذا تخلّى الناس عن الأمل.

اختبار غير مسبوق

فوز زهران ممداني بمنصب العمدة رقم 111 لمدينة نيويورك لم يكن مجرد حدث انتخابي عابر، بل هو تحوّل تاريخي حقيقي في المشهد السياسي الأمريكي. فهو أصغر من تولى هذا المنصب سناً، وأول مسلم وأول عمدة من أصول جنوب آسيوية يقود هذه المدينة التي تعدّ عاصمة العالم غير الرسمية، وأكبر من دول كثيرة نفوذاً وتأثيراً.

غير أن هذه الأرقام القياسية، على أهميتها، تبدو أقل بريقاً حين نقارنها بالمعنى العميق لهذا الفوز، الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه زلزال سياسي يضع الطبقة السياسية الأمريكية كلها أمام اختبار غير مسبوق.

جيل جديد.. لغة جديدة.. ووعي مختلف

الكتلة التصويتية التي أوصلت ممداني إلى هذا الموقع ليست امتداداً للناخب الأمريكي التقليدي. الذي يتأثر بسطوة وسائل الإعلام الكبيرة وأجنداتها الموجهة من قبل رؤوس الأموال، بل هي كتلة عمادها جيل جديد من الشباب الذين لا يتأثرون بالخطاب الإعلامي التقليدي، ولا يتابعون نشرات الأخبار الموجهة، ولا يثقون بالمؤسسات الإعلامية الكلاسيكية التي كانت لعقود تحدد أجندة النقاش العام في الولايات المتحدة.

هؤلاء الشبان يستقون وعيهم السياسي من وسائل إعلام حديثة ومستقلة ومن وسائل التواصل الاجتماعي، من تيك توك وإنستغرام وتويتر، ومن خطاب أكثر تحرراً ومباشرة مما اعتاد عليه الأمريكيون. هم الجيل الذي يرى العالم بمنظار مختلف: أكثر عالمية، أقل خضوعاً لسطوة المال والإعلام، وأشد حساسية تجاه العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

تراجع سطوة المحرمات السياسية

قبل خمس سنوات فقط، كان مجرد انتقاد إسرائيل في المشهد الأمريكي خطوةً أقرب إلى الانتحار السياسي. واليوم يفوز شاب صرّح بأنه سيصدر مذكرة اعتقال بحق نتنياهو لو زار المدينة.

وقبل سنوات قليلة، كان إعلان أي سياسيٍّ أنه اشتراكي كفيلاً بإنهاء مسيرته السياسية، أما الآن فالفائز بهذا المنصب الهام يفتخر بانتمائه للاشتراكية، ويفوز في نيويورك، أكثر معاقل الرأسمالية العالمية قوةً وتأثيراً على أسواق المال.

هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بتبدل المزاج الانتخابي، بل يعكس تحوّلاً ثقافياً عميقاً في الوعي الأمريكي، وتراجع سطوة “المحرّمات السياسية” التي ظلّت تحكم المشهد لعقود طويلة.

اختلال معادلة المال والسياسة

لعل أهم ما يثير الرعب لدى المؤسسة السياسية الأمريكية في هذا الفوز، هو فشل المال في حسم المعركة. فقد حشد كبار المليارديرات الأمريكيين موارد ضخمة لدعم خصوم ممداني، لكن الناخبين الجدد لم يستجيبوا لتلك الحملات المكلفة، بل اعتبروها دليلاً إضافياً على انفصال الطبقة السياسية والمالية عن قضاياهم اليومية.

إنها المرة الأولى منذ عقود التي يتغلب فيها خطاب نابع من الهامش، من الشارع ومن الشبكات الاجتماعية، على ماكينة المال والإعلام التقليدية.

المأزق القادم: لغة الجيل الجديد

الآن يقف الساسة الأمريكيون أمام معضلة كبرى: هل يغامرون بمغازلة هذا الجيل الجديد بلغته، ويتحدّثون عن فلسطين والعدالة والاشتراكية، فيخسرون دعم رأس المال وجماعات الضغط؟ أم يواصلون اللعب وفق القواعد القديمة، فيخسرون أصوات ملايين الشباب في المدن الليبرالية الكبرى؟ أم يحاولون التوفيق بين الطرفين بخطاب رماديٍّ مائع لا يقنع أحداً؟

كلّ خيار يحمل خسارته الخاصة. وهو ما عبّر عنه بوضوح موقف السيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، حين رفض الكشف عن صوته في الانتخابات، مكتفياً بالقول إنه “سيدعم العمدة المنتخب لما فيه خير نيويورك”. تصريح يعكس حجم الارتباك داخل المؤسسة الديمقراطية نفسها.

ما بعد نيويورك

سيكون الاختبار الحقيقي لهذا التحول في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عام 2026. فإذا استطاع التيار الجديد ترجمة انتصاره الرمزي في نيويورك إلى نتائج على المستوى الوطني، فإن النظام السياسي الأمريكي بأكمله سيدخل مرحلة إعادة تشكّل جذرية، تُعيد تعريف العلاقة بين المال والسلطة، وبين الأجيال والقيم.
هل ستنتصر الديموغرافيا الجديدة أم ستنجح الأموال القديمة في استعادة زمام اللعبة؟ الجواب مؤجَّل، لكن المؤكد أن فوز زهران ممداني لم يكن نهاية فصل، بل بداية عصر سياسي جديد في أمريكا.

محمود آغا