غالبية الناس الذين ألتقيهم هذه الأيام يريدون الحديث عن مرحلة ما بعد الانتخابات. والسؤال الأكثر تكراراً هو: هل ستنجح مجدلينا أندرشون، رئيسة الاشتراكيين الديمقراطيين، فعلاً في تشكيل حكومة؟ ومتى سترى هذه الحكومة النور؟

حسابياً، تبدو الصورة بسيطة: أحزاب S وV وMP وC تملك معاً 176 مقعداً مقابل 173 لأحزاب اليمين. لكن السياسة لا تُحسب بالمقاعد وحدها، وهنا تبدأ المشكلة.

عقدة اليسار والوسط

المتابعون للمشهد السياسي يعرفون ما يمكن تسميته “عقدة اليسار والوسط”. حزبان يجمعهما اليوم رفض التعاون مع ديمقراطيي السويد SD، لكن تفرقهما ملفات سياسية واقتصادية كبيرة.

حزب الوسط C حزب ليبرالي يؤمن باقتصاد السوق، ويدافع عن الشركات وريادة الأعمال وخفض بعض الضرائب. أما حزب اليسار V، فيعارض الخصخصة في قطاعات أساسية، ويدعو إلى دور أكبر للدولة وضرائب أعلى على أصحاب الدخول والثروات الكبيرة لتمويل الرفاه الاجتماعي.

لكن الخلاف اليوم لم يعد حول البرنامج فقط، بل حول السؤال الأصعب: من سيجلس داخل الحكومة؟

حزب اليسار خرج من الانتخابات منتشياً بفوز حصل به على نتيجة قوية بلغت نحو 8.2 بالمئة وحصل على 30 مقعداً، ويريد ترجمة ثقله البرلماني إلى مشاركة مباشرة في حكومة تقودها مجدلينا أندرشون، بما في ذلك الحصول على حقائب وزارية.

هذا المطلب ليس جديداً. فرئيسة الحزب نوشي دادغوستار أعلنت منذ سنوات أن حزبها لم يعد مستعداً للعب دور “ممسحة العتبة” للاشتراكيين الديمقراطيين، يمنحهم أصواته ثم يبقى خارج دائرة التأثير.

في 2021 أثبت اليسار أنه مستعد للذهاب بعيداً في هذا الموقف، وفي خطوة كأنها تمرد ورفض لدور “ممسحة العتبة” عندما ساهم في إسقاط حكومة ستيفان لوفين في تصويت تاريخي لحجب الثقة، على خلفية الخلاف حول تحرير إيجارات المساكن الجديدة.

في الجهة المقابلة يقف حزب الوسط، الذي وضع خطاً أحمر واضحاً: لا لحكومة يشارك فيها حزب اليسار.

وهنا تحديداً تكمن معضلة مجدلينا أندرشون: كيف تُقنع اليسار بدعم حكومة لا تمنحه ما يطالب به، وكيف تُبقي الوسط إلى جانبها إذا قررت إدخال اليسار إلى الحكومة؟

الجميع سيضطر إلى التنازل

جميع الأحزاب تسعى إلى أكبر قدر ممكن من التأثير، وهذا أمر طبيعي. فتنفيذ الوعود الانتخابية يحتاج إلى نفوذ، سواء من داخل الحكومة أو عبر اتفاق سياسي معها.

ولهذا تبدأ المفاوضات عادة بسقوف مرتفعة. كل حزب يحدد خطوطه الحمراء ويقول لناخبيه ما لن يتنازل عنه. لكن تشكيل الحكومات لا يتم بالشعارات وحدها، وفي النهاية تبدأ المقايضات.

وهنا يجب ألا نحصر النفوذ بعدد الحقائب الوزارية. فقد يتنازل حزب عن وزارة ويحصل في المقابل على تأثير كبير في الضرائب أو الهجرة أو الرعاية الصحية أو سوق العمل. وقد يحصل حزب آخر على حقيبتين وزاريتين، لكن بنفوذ سياسي أقل مما توحي به صور وزرائه أمام الكاميرات.

لذلك فإن السؤال الحقيقي في نهاية المفاوضات لن يكون فقط: من حصل على وزارات أكثر؟ بل أيضاً: من حصل على السياسة التي يريدها؟

السويد فعلتها من قبل

هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها السويد مفاوضات معقدة بين أحزاب متباعدة. بعد انتخابات 2018 استغرقت عملية تشكيل الحكومة أشهراً، وانتهت في 2019 إلى “اتفاق يناير” الذي وضع الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب البيئة في الحكومة، بينما دعمها حزب الوسط والليبراليون من الخارج مقابل اتفاق تضمن 73 بنداً سياسياً.

وبعد انتخابات 2022 رأينا نموذجاً مختلفاً. شكّل المحافظون والمسيحيون الديمقراطيون والليبراليون الحكومة، بينما بقي ديمقراطيو السويد خارجها، لكنهم حصلوا من خلال “اتفاق تيدو” على نفوذ واسع في ملفات أساسية.

أي أن السويد جرّبت النموذجين: حزب يدخل الحكومة ويحصل على وزراء، وحزب يبقى خارجها لكنه يحصل على نفوذ سياسي كبير. وهذا قد يكون أحد مفاتيح الحل هذه المرة أيضاً.

ماذا تملك مجدلينا في يدها؟

أقوى ورقة لدى أندرشون هي أن الأحزاب الأربعة التي صنعت أغلبية 176 مقعداً تحتاج إلى بعضها بعضاً إذا أرادت الحفاظ على هذه الأغلبية.

أما الخلافات والضغوط الداخلية التي تواجه بعض الأحزاب، ومن بينها الجدل الأخير حول بعض مرشحي حزب اليسار، فقد تصبح جزءاً من المناخ المحيط بالمفاوضات، لكن من المبكر معرفة مدى تأثيرها الحقيقي في شروط الاتفاق.

الأهم أن البدائل ليست سهلة لأي طرف. فإذا فشلت المفاوضات، تبدأ جولات جديدة للبحث عن حكومة أخرى، وقد تُطرح تركيبات مختلفة، وفي نهاية المطاف يبقى احتمال الانتخابات الاستثنائية قائماً إذا استُنفدت محاولات اختيار رئيس للحكومة.

وهذا يجعل التسوية، مهما كانت مؤلمة، خياراً سيظل مطروحاً أمام الجميع.

متى نعرف الجواب؟

هنا نصل إلى السؤال الذي بدأنا به: متى ستتشكل الحكومة؟ المحطة المهمة المقبلة هي 28 سبتمبر، عندما يجتمع البرلمان الجديد وينتخب رئيس البرلمان ونوابه.

مجدلينا أندرشون حصلت في 18 سبتمبر على مهمة استطلاع إمكانية تشكيل حكومة تحظى بقبول البرلمان، وعليها أن تقدم نتيجة هذه المهمة إلى رئيس البرلمان الجديد.

بعد ذلك تبدأ المرحلة الدستورية التالية، ويمكن لرئيس البرلمان أن يقدم مرشحاً لرئاسة الحكومة إلى البرلمان للتصويت عليه. لذلك لا يوجد حتى الآن موعد نستطيع أن نقول عنده إن حكومة أندرشون ستولد حتماً.

وربما من الأفضل ألا نستعجل. فالتجارب السابقة تقول إن مفاوضات تشكيل الحكومات لا تتعلق فقط بمن يحصل على أي وزارة، بل ببناء اتفاق يمكن أن يعيش أربع سنوات.

لقد عرفنا من فاز في الانتخابات، لكننا لم نعرف بعد من سيفوز بالمفاوضات.

وربما يكون هذا هو السؤال السياسي الحقيقي للأسابيع المقبلة: ليس فقط متى ستتشكل الحكومة؟ بل أي حكومة ستتشكل، وبأي ثمن سياسي؟

محمود آغا