Lazyload image ...
2022-05-09

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في فيلم “حصان تورين” للمخرج المجري بيلا تار، يفتتح السرد بأب وأبنته يعيشان في كوخ منعزل عن العمران، يكافحان من أجل المعيشة اليومية، ويأكلان كل يوم نفس الصنف (بطاطس مسلوقة)، وتذهب الأبنة كل يوم في رحلة صباحية لإحضار الماء من البئر المجاور، وفيالخلفية نعرف أن حصانهم (الأداة الوحيدة التي تربطهم بالعالم) مريض وفي سبيله للاحتضار. نرى هذه الأحداث بشكل تكراري على مدار زمن الفيلم الذي يقترب من الساعتين ونصف، حتي يموت الحصان في النهاية ويواجها شخصياتنا خطر العزلة المؤدية إلي الموت. هنا الحدث في متن الحكاية طفيف للغاية، بل القصة يمكن النظر إليها كلوحة تشكيلية ترصد رحلة فناء بطيئة ثقيلة الوطء نشعر بجثامتها من اللحظة الأولي، خاصة مع استخدام المخرج للقطات الطويلة والصورة غير الملونة، والثابتة في معظم الأحيان. رغم الحدث الرتيب والشخصيات الأحادية التى لا تتطور، يري البعض إن سحر الحكاية حاضر بقوة. قوبل الفيلم بحفاوة نقدية هائلة وحصد جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين الدولي عام ٢٠١١  ومازال الكثيرون من عاشقي السينما يضعونه في قوائمهم المفضلة.

مثال آخر ربما يكون أكثر دلالة: في قصة قصيرة بعنوان “حالة تلبس” للأديب المصري يوسف إدريس، يجد عميد كلية كبير السن نفسه منغمسا بالصدفة في مراقبة طالبة شابة تدخن خلسة في الفناء الخلفي. يستفيض الكاتب في وصف سردي لمشاعر شخصية العميد مع ثبات الحدث: فتاة تدخن بينما يراقبها شكل آخر، وتنتهي القصة دون أن يتطور الحدث. رغم هذا يتحرك العنصر الخفي مرة آخرى ليجعلنا نشعر بما في الحكاية من جمال وسحر.

كيف نرى الحكاية رغم غياب الحدث؟ وكيف يمكننا إذن تعريف الحكاية من الأساس؟

ما هي الحكاية؟

الحكاية هي أصل كل شيء. الحكاية هي وجهة نظرنا في أنفسنا وفي واقعنا وفي الآخرين، وهي مشاعرنا حين تترجم لكلمات. الحكاية ببساطة هي نحن. نحن لا شعوريا نترجم أحداث يومنا ومشاعرنا وأفكارنا، بل ومخاوفنا إلي حكايات، وبهذه الطريقة ننجح في التعامل معها والتحكم بها. يقول الكاتب الأمريكي “وول ستور” في كتابه الممتع “علم رواية القصص”، إن تاريخ الحكايات هو ذاته تاريخ الإنسان، وإن اللحظة التي قرر فيها الإنسان أن يحكي (بداية باستخدام الإشارات ثم لاحقا باللغة المنطوقة) كان دافعه الأساسي هو التغلب على خوفه المبكر من الطبيعة والوحوش والظلام. يذهب الكاتب لأبعد من ذلك فيقول إن بداية نشوء اللغة كان نتيجة لرغبة الإنسان في الحكي، وليس العكس. كان الإنسان الأول بحاجة إلى سردية متماسكة يستطيع من خلالها تفسير ما يحيط به من أخطار وظواهر، وبالتالي يسهل عليه التعامل معها وأحيانا التغلب عليها. لماذا تأتي الشمس ولماذا تذهب؟ لماذا تهطل الأمطار ولماذا تجف؟ لماذا يطاردني هذا الحيوان وذلك يعف عن مطاردتي؟ ثم تطورت الأسئلة فيما بعد: لماذا يموت الأجداد؟ وأين يذهبون؟ وهل سأقدر أن أراهم مرة أخري؟ كل هذه التساؤلات وضعها الإنسان الأول في سياق حكاية، يتلوها العجائز حول النار في الليل، ويصغى إليها الصغار ليكبروا ويستكملوا المسيرة. بهذه الطريقة ولدت الأساطير وتطورت الأفكار وتشكل الوعي وصنعت الحضارات.

اتخذت الحكاية على مدار التاريخ الإنساني صور عدة، ووجدت طريقها بطبيعة الحال إلى الفنون، التي أتاحت للإنسان اختبار الحكي دون التورط في واقعيته، ابتداءً بالمسرح (ابو الفنون كما يسمى) والذي بدأ مبكرا جدا على يد الإغريق، والأدب الذي بدأه المصريون والسومريون القدماء (يعتبر نص ملحمة جلجامش السومري هو أقدم نص أدبى عرفه البشر) مرورا بالفن التشكيلي والتصوير الذي تجلت فيهم قدرة الإنسان على الحكي عن طريق الصورة الثابتة، والموسيقى التي تمتلك لغة سرد خاصة جدا بدون استخدام كلمات، انتهاءً بفن السينما والذي يمكن النظر إليه كوعاء جامع شامل لجميع أنواع الفنون. ففي السينما تجد الأدب والمسرح والفن التشكيلي والتصوير والموسيقى فيانصهار وانسجام.

مثلما هي عادة الأكاديميين في كل شيء، تمت دراسة الحكاية على نحو علمي رغبة في تفكيك لوازمها الأساسية، في محاولة لتحديد العناصر المركزية المشتركة في جميع الحكايات، خاصة في مجال السرد الأدبي والسينمائي بصفتهم أقرب الأشكال السردية شعبية. يخبرنا جون يورك في كتابه الممتع عن فن الحكي المعنون “إلى الغابة” إن العناصر الأساسية للحكاية هم ثلاثة: شخصيات – زمان/مكان – حدث، أو بشيء من التفصيل: يجب أن تدور الحكاية حول شخوص بشر، في زمان ومكان محددين، وفي مواجهة حدث ما. لكن بداية، هل تدور كل الحكايات حول بشر؟ هناك قصص عديدة عن حيوانات (كليلة ودمنة مثالا)، وهناك قصص عن حشرات وألعاب وسيارات (أفلام ديزنى وبيكسار الشهيرة). إذن ربما ليس البشر شرطا، ولكن أليس يجب أن تحتوي على شخوص حية تفعل وتتفاعل؟ الواقع إن هذا أيضا ليس ضروريا، فإن الانفجار المفاجيء لبركان خامد أو رحلة حقيبة بلاستيكية تتطايرها الرياح هي بمثابة قصص قادرة على أن تحكي الكثير أدبيا وبصريا. ماذا عن عنصري المكان والزمان؟ هذان أيضا ليسا ضروريان، فربما حكاية مجهلة المكان والزمان هي أيضا قصة مثيرة تجذب السماع والنظار والقراء.

إذن هو الحدث؟ ولكن ما هو الحدث؟

إن الحدث كما يعرفه منظرو الحكي مرتبط بشكل أساسي بعنصر التحول أو “التغيير”. إن النهر الجاري بانسيابية لمدة ثلاث ساعات ليس حكاية، بل الحكاية أن يفيض النهر بعد هدوءه مغرقا الوديان. الحقيبة البلاستيكية الملقاة على جانب الطريق ليست حكاية، بل الحكاية هو أن تتقاذفها الرياح والأهابيب وتغير مصيرها إلي المجهول. التغيير هو مفتاح القصة، وهو الأمر الذي أدركه أرسطو (الفيلسوف الأغريقي الشهير) مبكرا جدا وأطلق عليه “نقطة الانعطاف peripeteia” بدون الانعطاف لا يحدث تغيير، وبدون تغيير فلا توجد قصة.

إذن هل هذا هو العنصر السحري الوحيد؟ وهل الحدث الثابت لا يمكن اعتباره حكاية بأي حال من الأحوال؟ 

الواقع إن الإجابة نعم ولا في آن.

في الأمثلة التى ذكرناها، ورغم غياب الحدث المرتبط بالتحول الظاهري، فإن التغيير هنا يصيب المشاهد ذاته. فعلى مدار فيلم “حصان تورين” يتغير شعور المتلقي المتوحد مع الفيلم (والتوحد هنا له شروط يمكن أن نناقشها لاحقا) من الحياد إلي التورط العاطفي والشعور بالشفقة والتعاطف مع الشخصيات، وربما يتحفز ذهنه محاولا سبر أغوار الأحداث التي يراها أمامه ودلالاتها الرمزية. هنا يكتمل بالفعل عنصر التغيير، ولكنه يحدث للمشاهد المتوحد مع الحكاية بدلا من أن يحدث من داخل الحكاية ذاتها. التغيير خارجي وليس داخلي، ولكنه يظل موجودا كعنصر أساسي فعال ومؤثر.

في قصة “حالة تلبس” تتغير مشاعر العميد المراقب للفتاة المدخنة، وتتطور تصاعديا وتدريجيا من الدهشة إلى الغضب إلى الفضول إلى الشعور بالغواية حتى ينتقل إليه في النهاية احساس عميق بالتمرد. هنا كما آسلفنا الحدث لا يتغير، ولكن التغيير يحدث داخل نفس المراقب، والذي يتوحد معه القاريء بشكل أو بآخر ويجد نفسه متورطا في المراقبة وفي اختبار هذا التغيير في المشاعر والأفكار. التغيير هنا مرة آخرى داخلي وليس خارجي.

الواقع إن نظرتنا لمفهوم “الحدث القصصي” قد تغيرت بشكل كبير،  خاصة بعد ما آلت إليه النظريات الاجتماعية والأدبية والسينمائية فيفترة ما بعد الحداثة، وكيف أصبحت قصص الـ ”لا حدث” أو كما تسمي من المتخصصين “لا سرد” أو “لا حبكة” Antinarrative, Plotless فى ذاتها تيارا حكائيا وقصصيا رائجا ومعترفا به. إن النهر الثابت ليس ثابتا كما يبدو، بل إنه يتبدل فى كل ثانية تمر. بينما الحقيبة البلاستيكية مهما استقر بها الحال فالمراقب لها يتبدل شعوره مع الوقت. ثبات الحدث هو خدعة، والتغيير يتسلل فى كل شيء حولنا كما لاحظ الفيلسوف الأغريقي هيرقليطس صاحب مقولة “إنك لا تنزل للنهر ذاته مرتين” لأن التغيير يصيب النهر كما يصيبك إنت بمرور الوقت. أنت الآن مختلف عن اللحظة السابقة سواء أدركت هذا بشكل واعٍ أو لم تدركه.

 مع الاحتفاظ بعنصر التغيير كعنصر عام وأساسي، تظل بقية عناصر الحكاية لها أهميتها وخصوصيتها، مثل بناء الشخصيات، والحبكة القصصية، والبناء الدرامي إلخ، ولكن يظل الملاحظ إن عنصر التغيير يلقى بظلاله وتأثيره حتى على هذه العناصر الأخرى، فمثلا من علامات البناء الجيد للشخصيات هو أن تمر بطور من التغيير فيما يسمى بـ” منحنى التحول”، سواء في ذاتها، أو أن تساعد في تغيير الشخصيات التي حولها، ويطلق عليها حينئذ “شخصيات محفزة”. في البناء الدرامي مثلا يفضل أن تمر الحكاية ببضع نقاط انعطاف لتظل القصة مشوقة وجاذبة للمتابع، وقد اختلف المنظرون في عدد نقاط الانعطاف وبالتالي في عدد الفصول (تتحدد الفصول تبعا لعدد نقاط الانعطاف، حيث يبدأ فصل جديد بعد كل انعطافة)، حددهم أرسطو بثلاثة فصول، بينما فضّل شكسبير نمط الخمس فصول. رغم الاختلاف يظل التغيير هو الأساس، وهو العنصر الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه. 

كما ساعد عنصر التغيير في تطور السرد الفني في الأدب والسينما، ساهم بشكل عام في تطور الإنسان ذاته. ففي السردية الفكرية والتاريخية للبشر، مر الإنسان بتحولات عدة، ساعدته في صياغة حكاياته وأساطيره الذاتية، والتي ساهمت بدورها في إحداث المزيد من التحولات النفسية والاجتماعية والثقافية، في حلقة تغيير وتطور دائمة ومستمرة، تساهم باستمرار وديمومة في التطور البشري وارتقاء الإنسان الفكري والعاطفي.

لهذا بفضل التغيير ورغبة في إحداثه، سواء بواسطة الحدث أو في حال غيابه، حكينا ونحكي وسنظل نحكي حتى يرث الله الأرض وما ومن عليها.

بقلم: فادي جمال عطا الله 

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر