المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: ليس «سقوط الهلال» سقوطاً للإيمان، بل سقوطٌ للعقل حين يُستبدل النص بالسؤال، والاتباع بالبحث. بهذه الفكرة يفتتح عالم الاجتماع الهولندي رود كوبمانس (Ruud Koopmans) كتابه المثير للجدل Halvmånens fall، الذي حاول أن يقدّم قراءة سوسيولوجية لأسباب ما اعتبره تراجعاً في اندماج المسلمين داخل المجتمعات الغربية، خاصة الأوروبية منها.
يذهب كوبمانس في تحليله إلى أن أزمة الاندماج ليست اقتصادية أو قانونية فحسب، بل معرفية وثقافية، نابعة من تصورات دينية جامدة تحولت – حسب رأيه – إلى منظومة مغلقة تمنع النقد الذاتي وتشكّك في قيم الحداثة.
إلى هنا، يمكن اعتبار الكتاب محاولة لقراءة العلاقة بين الدين والحداثة بجرأة. لكن المشكلة تبدأ حين يختزل المؤلف الظاهرة الإسلامية كلها في صورة واحدة، وكأنّ مليار مسلم يتقاسمون النمط ذاته من التفكير والسلوك.
في مسعاه لتفسير الفوارق داخل أوروبا، يشير كوبمانس إلى أن المهاجرين القادمين من دول مثل تونس والسنغال كانوا أكثر نجاحاً في الاندماج مقارنة بغيرهم، وأن المجتمعات التي عاشت فترات استعمارٍ أطول أظهرت – وفق بياناته – مرونة أعلى في التكيّف مع الغرب.
هذه الملاحظة، وإن بدت علمية، تحمل تبسيطاً مخلاً؛ فهي تفترض أن الاستعمار علّم الشعوب قيم الحداثة، متجاهلًا أن أثره كان في كثير من الأحيان تفكيك البنى التعليمية والاقتصادية والثقافية لتلك الشعوب.
أما الجملة التي أثارت أوسع جدل فهي قوله إن “العنف مشكلة إسلامية بحتة”. ذلك الادعاء ليس علمياً بقدر ما هو حكم استقصائي، يخرج من سياقه التاريخي والسياسي ليضع الإسلام كلَّه في قفص الاتهام، متجاهلًا أن العنف ظاهرة بشرية عابرة للأديان والثقافات، وأن سياقات الحروب والاحتلال والفقر والتمييز تلعب أدواراً لا تقل خطورة عن الخطاب الديني في إنتاج التطرف.
الكتاب، رغم جرأته، لا يتناول الإسلام كنسق لاهوتي ولا يدخل في عمق التجربة الفكرية والفلسفية للدين، بل يبقى في المستوى الاجتماعي – الإحصائي الذي يفسّر الظواهر بالأرقام أكثر مما يفسّرها بالمعنى.
ولعل أكثر مواضع الانحياز الشخصي وضوحاً، حين تناول الكاتب الاضطهاد العلوي في تركيا متعاطفاً مع تجربة زوجته المنتمية إلى تلك الطائفة، لكنه في المقابل تجاهل كلياً الاضطهاد الذي يتعرّض له السنّة في العراق وسوريا واليمن على أيدي مليشيات طائفية مدعومة من نظام ولاية الفقيه الإيراني. ذلك التناقض يعكس انتقائية في الضمير البحثي: فالنقد الذي يرفع شعار العدالة لا يكتمل إلا حين يُوجَّه إلى جميع أشكال الظلم دون استثناء.
الإصلاح يأتي من الداخل
إنّ Halvmånens fall ليس كتاباً ضد الإسلام بقدر ما هو صرخة ضد جمود التفكير باسم الإسلام، لكنه يفشل في إدراك أن الإصلاح الديني لا يأتي من الخارج عبر النقد الثقافي الغربي، بل من الداخل، من مراجعة المفاهيم وإعادة بناء الخطاب الديني نفسه.
من زاوية الاندماج في السويد، تتقاطع أطروحات كوبمانس مع الواقع في نقطة حساسة: فبعض المنابر الدينية والإعلامية بالفعل تُغذّي الانعزال وتبرّر العنف الأسري والاجتماعي، لكن تعميم هذه الحالات لتصبح سمة “إسلامية” هو خطأ معرفي وأخلاقي في آنٍ واحد.
المطلوب ليس إدانة ثقافة بأكملها، بل تحليل البنى المنتجة للانغلاق ومواجهتها بأدوات تربوية وفكرية، لا بالوصم الجماعي.
في النهاية، يمكن القول إن الكتاب يثير أسئلة مهمة، لكنه يقدّم أجوبة ناقصة. هو مرآة قاسية تعكس مأزق العلاقة بين الدين والعقل في مجتمعاتنا، لكنها أيضاً تعكس حدود الفهم الغربي حين يحاول تفسير الإسلام من الخارج. فالهلال لم يسقط، بل انحنى تحت ثقل التأويلات – تأويلاتنا نحن وتأويلاتهم هم – وما زال في الأفق متّسعٌ للعقل أن ينهض من جديد.
فاروق الدباغ