في كثير من بلادنا الأم يملك الإنسان “نعمة” التذمر كي لا يصاب بالجنون إزاء أوضاع لا يملك غالباً قدرة تغييرها. ويبدو أن كثيرين يحافظون على إرث هذه “النعمة” حتى في دول ديمقراطية مثل السويد.
في مقابلته مع الكومبس قال وزير التعاون الدولي والتجارة الخارجية بنيامين دوسا (M) “أقول عادة لأصدقائي غير المنخرطين لكن لديهم رغم ذلك آراء وينتقدون كل الأمور: ليس من حق المرء أن يكون ناقداً إذا لم يكن منخرطاً ويحاول فعل شيء لتغيير الوضع”.
بالطبع من حق المرء دائماً أن ينتقد سواء كان منخرطاً في الشأن العام أم لا، غير أن عبارة الوزير، الذي قد نختلف معه في أمور كثيرة، تضع إصبعاً على جرح. الاكتفاء بالانتقاد و”التذمر” لا يغير شيئاً في مجتمع كالسويد.
صوّت الربع فقط في إحدى المناطق
في انتخابات 2022 صوّت 67 بالمئة من الناخبين المولودين في الخارج في انتخابات البرلمان، بينما كانت نسبة التصويت العامة أكثر من 84 بالمئة. أما في انتخابات البلديات والمحافظات فبلغت نسبة مشاركة الأجانب الذين لا يحملون الجنسية السويدية 30 بالمئة فقط. وفق تحليلات هيئة الإحصاء.
تحليل آخر للهيئة يقسم مناطق السويد الإحصائية إلى 5 فئات. الفئة الأولى منها تسمى Områden med stora socioekonomiska utmaningar. أي المناطق التي تواجه تحديات اقتصادية اجتماعية كبيرة (وهو مختلف عن تصنيف الشرطة للمناطق المعرضة للخطر). وفي هذه المناطق بالذات بلغ متوسط نسبة المشاركة في 2022 حوالي 57 بالمئة في تراجع 9 بالمئة عن انتخابات 2018.
وتراوحت المشاركة في مناطق هذه الفئة بين 26 بالمئة في المنطقة الأقل مشاركة و80 بالمئة في المنطقة الأعلى. أي هناك منطقة لم يصوت فيها سوى ربع الناخبين الذين يحق لهم التصويت. (تحليل هيئة الإحصاء صفحة 70 و71)
تظهر الأرقام الفجوة الكبيرة في نسب التصويت بين المولودين في الخارج وبقية السكان، وكذلك بين المناطق التي تواجه أوضاعاً صعبة وغيرها من المناطق.
قد يبدو غريباً أن أكثر المتضررين في المجتمع، أولئك الذين يعيشون أوضاعاً سيئة، هم أكثر من يعزف عن المشاركة. غير أن التحليل الاجتماعي الاقتصادي يقود عادة إلى رسم دائرة تبدو مغلقة، فالأوضاع الصعبة تؤدي غالباً إلى معرفة أقل بالواقع وثقة أدنى بالمجتمع والمؤسسات ورغبة أقل في المشاركة، وهذه بدورها تقود إلى أوضاع اقتصادية أصعب.
لا بد من كسر هذه الدائرة إذا طمح الناس إلى التغيير. وبالتأكيد فإن المشكلات المتراكمة عبر سنوات لا تحل بمجرد التصويت في الانتخابات، لكنه الحد الأدنى من المشاركة السياسية والقول “نحن موجودون هنا ولنا وزن ما”.
ليست كل الأحزاب معنية بتشجيع هؤلاء على المشاركة، خصوصاً تلك التي تجهر بعدائها لقسم منهم. أما الأخرى فقد تستخدمهم وقوداً انتخابياً فقط، لذلك فإن المشاركة تبدأ بالتصويت ولا تنتهي به، ومن دون حضور فاعل لجمعيات المجتمع المدني وتمثيل سياسي معقول لأبناء هذه المناطق، سيظل الانتقاد مجرد “تذمر” لا ينتج سوى بطولات دونكخوتية على وسائل التواصل.
لمن نصوت؟
تصلنا في الكومبس هذه الأيام أسئلة كثيرة من نوع: لمن نصوت؟. والإجابة يفترض ألا يحددها أحد سوى السائلين أنفسهم، لا منصة إعلامية ولا ناشط هنا أو هناك ولا صفحة فيسبوك ولا مسجد أو كنيسة. المعلومات عن الأحزاب ومواقفها متوافرة على “قارعة الطريق”. قليل من المتابعة والبحث قد تكفي لتكوين صورة، ثم هناك المصالح التي عادة ما “يخجل” كثيرون من أخذها بالاعتبار، فمصلحة ممرض في بلدية ما قد لا تتوافق مع مصلحة مريض في البلدية نفسها، وتجربة الاثنين قد تختلف مع الأحزاب في بلدية أخرى. أما في البرلمان فنوايا الأحزاب معلنة وبوضوح. وتجربة حكم اليمين في السنوات الأربع الماضية قالت كل ما لديها سلباً وإيجاباً.
بقي أقل من شهر على يوم الانتخابات، علماً أنه يمكن التصويت اعتباراً من 26 أغسطس في أي مركز انتخابي بالسويد. فهل سنحرك أقدامنا أم سنكتفي بـ”نعمة” التذمر ونمارس عادتنا المفضلة في البكاء على اللبن المسكوب؟
مهند أبو زيتون