“أنت السويد”.. قالتها إيبا بوش لشاب مهاجر على منصة ألميدالين التي أوجدها صوت أولوف بالمه مجتاحاً العالم بعدها. روت بوش كيف سألها شاب إن كانت تريد ترحيله وكم صدمها سؤاله. فهل صحت إيبا متأخرة؟

منذ أن تحالفت أحزاب الحكومة مع SD، سال حبر كثير عن خطورة الخطاب على تقسيم المجتمع. وبدل أن تسحب الأحزاب الثلاثة جيمي أوكيسون ورفاقه إلى منطقة وسط انسحبت معه. وبدا أن خطاب SD التقسيمي أصبح منهاجاً للحكومة.

كان SD حينها نموذجاً ملهماً بعد اكتساحه أصوات اليمين في الانتخابات. وبدا خطابه الحاد ضد المهاجرين، والمسلمين منهم بشكل خاص، بعد أن نجح في الربط بين الهجرة والجريمة مستنداً على وقائع على الأرض، سبباً في صعوده إلى المركز الثاني تاركاً المحافظين يلهثون وراءه.

تماهى خطاب إيبا بوش في أحايين كثيرة طيلة السنوات الأربع من عمر الحكومة مع خطاب أوكيسون، من ضرورة تكيف المسلمين تحديداً مع القيم الأوروبية، إلى نقاش حظر الحجاب، إلى التحذير من “الإسلاموية المستوردة”.. إلى غيرها.

لم تكن إيبا تدرك أن خطابها الحاد بخصوص الهجرة والمهاجرين يقسم المجتمع، أو هكذا تقول الآن. واكتشفت في نهاية السنين الأربع أن “ما تم تحقيقه في ملف الهجرة أدى في الوقت نفسه إلى ظهور مشكلات أخرى تحتاج إلى معالجة”، وأقرت بأنها ساهمت في الاستقطاب الذي أحست أخيراً بوجوده في السويد.

رفعت إيبا بوش قميص المنتخب وقالت على منصة ألميدالين موجهة حديثها للشاب المهاجر: هذا قميصك. والسويد فريقك”. لم يكن ياسين عياري وألكسندر إيساك ورفاقهما قد خرجوا من كأس العالم بعد. وكان هدفا عياري في تونس وسجدته، التي أزعجت حسابات SD، ما زالا ساخنين. وكان القميص الأزرق الأصفر يجمع السويديين بالفعل خلف منتخب صاعد، يعاني لكنه يفعل ما بوسعه، ربما كحال السويد اليوم. وكانت المشاعر المتعلقة بالكرة تغري السياسيين باستغلالها على أبواب الانتخابات، فظهر ما يشبه سوق المزاودة الكروية.

كل استطلاعات الرأي الأخيرة تنذر معسكر اليمين بالخسارة. الفارق مع أحزاب المعارضة كبير (يتجاوز 10 بالمئة في بعض الاستطلاعات). وجملة “باي باي تيدو” تبدو واقعية أمام الأرقام. ورغم أن للصناديق مفاجآتها دائماً، فإن الواقع الحالي يدفع أحزاب الحكومة للتفكير في إعادة الحسابات. ولا بأس ربما من الابتعاد خطوة عن خطاب SD بعد المشاعر السلبية التي أثارتها المشاهد المؤلمة لترحيل شباب صغار لم يكن لهم ذنب سوى أن SD يريد أن يقول: انظروا كم طردت من المهاجرين!

سويدان

ليت إيبا بوش أفاقت مبكرة، ليتها حاولت إيقاف الخطاب التقسيمي حتى وهي تؤيد تشديد سياسة الهجرة، لكنها اختارت ألا تلحظ تأثير ذلك إلا قبل شهرين من الانتخابات.

السويد تبدو اليوم أمام خيارين: سويد أحادية في مخيلة SD يريد أن يستعيدها. وسويد مستعدة لمناقشة كل شيء على قاعدة القبول بالتعدد.

في السويد الحقيقية لا يحتاج ياسين عياري لتسجيل هدفين حتى يُعترف به “لاعباً سويدياً”. ولا يُعتبر المهاجر متهماً إلى أن يثبت العكس، ولا يحتاج إلى أن يحقق إنجازاً ضخماً ليقبله الآخرون بينهم. في السويد الحقيقية يرتدي الشباب باختلاف ألوانهم قميص المنتخب قبل أن تدعوهم إيبا، يملؤون الساحات وهو يشجعون فريقهم إلى آخر لحظة حتى وهو يخسر 3 صفر أمام مهاجمين فرنسيين لم يعد أحد يسأل عن أصولهم.

مهند أبو زيتون