أكتب عشية عيد منتصف الصيف والمطر يعلن حضوره بقوة على نافذتي. أكرر نكتتنا السمجة نحن السويديين المهاجرين: أين هو الصيف الذي نحتفل بانتصافه؟

“الصيف السويدي” يسمونه هنا. وما أكثر الأشياء التي يمكن أن تلحقها صفة السويدي لتنتج شيئاً جديداً يبدو متأقلماً مع السويد: إسلام سويدي على طريقة أوكيسون الذي حار كيف يصنف ياسين عياري، أو إسلام سويدي أزرق أصفر على طريقة موهامسون التي لا ينطبق تعريفها على ياسين عياري “المؤمن” أيضاً، فلسطيني سويدي لا يضفي طابعاً رومانسياً على الإرهاب على طريقة كريسترشون، أو فلسطيني سويدي لا يرى في السويد سوى “جزءاً من المؤامرة” على وطنه الضائع على طريقة بعض مستخدمي وسائل التواصل.

لم أفرح لحظةً بـ7 أكتوبر، رغم أن معظم وسائل الإعلام العربية كانت تصوره في الساعات الأولى “نصراً مؤزراً”. لم أفرح ليس لأني لا أفرح بمقتل المدنيين فحسب بل لأني أيضاً كنت أستطيع توقع ردة الفعل الإسرائيلية الوحشية على غزة ونتنياهو يأخذ من العالم ضوءاً أخضر أمام هول المشاهد التي اجتاحت وسائل الإعلام العالمية.

من اتخذ قرار هجوم السابع من أكتوبر كان كمن يلف غزة بحزام ناسف ويسلمها لأعتى حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل. وجرى ما جرى. وغيّرت أخبار المجازر الإسرائيلية اللاحقة موقف كثيرين في العالم ممن صرخوا بأن ما يفعله الجيش الإسرائيلي جرائم تجاوزت في بشاعتها كثيراً ما حدث في 7 أكتوبر واستمر لبضع ساعات بينما استمرت آلة القتل الإسرائيلية سنوات.

مع ذلك ما زال كثيرون في السويد ينظرون بعدسة مكبرة لأي تلميح أو منشور قد تُشتّم منه رائحة “فرحة” بـ7 أكتوبر، باعتباره تعاطفاً مع حماس، حتى لو كان صاحبه على عداء أيديولوجي مع حماس. “انظروا إنهم يتعاطفون مع الإرهاب”، في حين ينظر هؤلاء أنفسهم من بعيد جداً للتعاطف الواضح والصريح مع نتنياهو المطلوب دولياً بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

نجح هؤلاء في خلق ما يشبه دوامة صمت، استُهدفت فيها المظاهرات والناشطون والسياسيون وكل مناصر للفلسطينيين تقريباً، بمن فيهم غريتا تونبيري، باستغلال أي هفوة حتى لو كانت تصفيقاً عابراً لهتاف لم يسمعه المصفق جيداً، أو لارتداء كوفية عليها “خريطة فلسطين”. بينما مرت المظاهرات المناصرة لإسرائيل والناشطون والسياسيون المؤيديون لها دون أن يضعهم أحد تحت العدسة المكبرة.

لم تنجح دوامة الصمت هذه في إسكات المتعاطفين مع الفلسطينيين بطبيعة الحال، كما لم تنجح في تبييض صفحة إسرائيل الدموية، لكنها أدت إلى وصم كثير من الناشطين والمتعاطفين وكثير من الفلسطينيين، ليس الآن فقط، بل ربما إلى أمد أبعد.

إنه الجنون

على الجهة الأخرى، هناك ممن يتصدر وسائل التواصل من الناطقين بالعربية من لا ينظر إلى السويد إلا من زاوية موقف حكومتها الحالية من القضية الفلسطينية. خطاب شعبوي يكفّر الناس بكل قيم السويد وديمقراطيتها باعتبارها “قيماً مدّعاة”، و”ديمقراطية كاذبة”. خطاب تكذّبه كل تفاصيل الحياة في السويد لكنه مع ذلك يلقى آذاناً.

بين هؤلاء وهؤلاء يسيطر الجنون. بدءاً بتعريف من هو السويدي، مروراً بطريقة التعاطف مع هدف سجله مهاجر فضل اللعب بالأزرق والأصفر على اللعب بقميص بلده الأم، وليس انتهاء بنقاش ما إن كانت السجدة طريقة “سويدية” للاحتفال أم لا.

هل يصلح أن نسميه “الجنون السويدي” أيضاً؟.. لا أدري ولكن كل ما أدريه أننا جميعاً نحتفل اليوم بعيد منتصف الصيف السويدي، فكل صيف وأنتم بخير.

مهند أبو زيتون