ثلاث سنوات مرت طويلة ربما منذ انتخابات 2022. تسلم اليمين السلطة للمرة الأولى بتحالف تاريخي مع حزب ديمقراطيي السويد (SD) المناهض للهجرة والمحسوب على اليمين الشعبوي. دروس كثيرة خاطبت وعي المهاجرين ووجدانهم، والناطقين بالعربية منهم. في حين لا يبدو المشهد قبل انتخابات 2026 مشابهاً لما ساد عشية 11 سبتمبر 2022.
من الواضح أن مزاج الناطقين بالعربية تغير. الأصوات الكثيرة التي كانت تدعو لانتخاب أحزاب جديدة تكون صوتاً للمهاجرين خفتت قليلاً، مقابل أصوات تتعالى الآن وبشكل حاد أحياناً ضد كل من يدعو لانتخاب حزب جديد، بعد تجربة يعتبرونها “فاشلة” مع التصويت لحزب نيانس. كما أن الأصوات التي كانت تخفف من تأثير مشاركة حزب SD في السلطة قد تراجعت بعد أن أمسك جيمي اوكيسون بتلابيب الحكومة دون أن يكون مشاركاً فيها، ونجاحه في فرض أجندته الخاصة بقضايا الهجرة منذ اللحظة الأولى.
الجدل تجدد بعد إعلان النائب المستقل في البرلمان جمال الحاج الأسبوع الماضي تأسيس حزب الاتحاد، ورغم أن الحاج شدد مراراً على أن الحزب سيمثل كل السويديين، لا المهاجرين فقط أو المسلمين أو غيرهم، فإن النقاش بين الناطقين بالعربية افترض سلفاً أنه حزب موجه للمهاجرين، استناداً ربما إلى خلفية الحاج المهاجرة. حتى أن رئيسة حزب المسيحيين الديمقراطيين إيبا بوش شنت هجوماً شرساً على الحاج وحزبه تحت دعوى “الإسلام السياسي” مستندة على حضور الحاج قبل أعوام مؤتمراً ثار جدل كبير حول صلة مفترضة تربطه بحركة حماس.
من غير المعروف بعد ما إن كان الحزب الجديد سيخوض الانتخابات، أو إن كانت السنة المتبقية كافية ليعلن برنامجه ويروجه ويجد الحوامل الاجتماعية لأفكاره. غير أن النقاش في كل الاحوال مفتوح على مصراعيه، وهو مفيد لجهة تشكيل وعي سياسي أو ذاكرة سياسية لدى الناطقين بالعربية، وخصوصاً القادمين الجدد منهم.
معادلة سهلة؟
لا خطأ أو جريمة في تأسيس أحزاب جديدة، ولا يستحق مطلقوها أي هجوم من النوع الذي نشاهد بعضه الآن. من حق أي كان تأسيس حزب إذا استوفى الشروط، ومن حق كل ناخب أن يصوت للحزب الذي يريد. معادلة تبدو سهلة، غير أن الصعوبة تكمن في قراءة التطورات وتحديد المصالح، فـ”المعركة” الانتخابية برمتها قائمة على مخاطبة وعي الأفراد والجماعات وإقناعهم بأن مصالحهم تتحقق من خلال هذا الحزب أوذاك.
ربع سكان السويد من المهاجرين (مولودين في الخارج أو لأبوين مولودين في الخارج)، لهؤلاء وزن رياضي ثقيل في المعادلة، غير أن هؤلاء ليسوا كتلة، بل هم موزعون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار حسب انتماءاتهم الأيديولوجية، بل والدينية والإثنية، وقبل مصالحهم أحياناً.
في الانتخابات الاخيرة، كان الفارق بين كتلتي اليمين واليسار (مع حزب الوسط)، حسب الحسابات الرياضية حوالي 50 ألف صوت. ذلك يعطي وزناً أكبر للأحزاب الصغيرة من خارج الكتلتين، خصوصاً تلك التي تخاطب جمهوراً محدداً من المهاجرين في الضواحي الذين يصوتون عادة لكتلة اليسار. حصول حزب نيانس مثلاً على حوالي 28 ألف صوت أيقظ المخاوف من مقولة “تشتيت الأصوات”. ورغم أنه لا يمكن الجزم بأن عدم وجود نيانس كان سيعني حتماً فوز كتلة اليسار، لأن المصوتين له ربما ما كانوا ليصوتوا لغيره، فإن المخاوف من “تشتيت الأصوات” تبقى مشروعة.
غزة تتحول إلى قضية انتخابية
أمور كثيرة تغيرت منذ الانتخابات الماضية، حينها لم تكن قضية غزة مطروحة، بينما تتحول الآن إلى قضية انتخابية لجمهور عريض من السويديين، سواء من أصول مهاجرة أم سويدية. الثقل الإنساني الذي مثلته غزة لا يمكن للأحزاب والسياسيين أن يفلتوا منه. الملايين التي خرجت إلى الشوارع في أنحاء العالم تنديداً بالمجزرة المستمرة، ستعبر عن نفسها سياسياً في نهاية المطاف.
في السويد بدا الانقسام السياسي حاداً. وهنا لا يمكن تجاهل تغير مزاج الناطقين بالعربية أيضاً تجاه حزب الاشتراكيين الديمقراطيين بسبب ما اعتُبر “موقفاً بارداً” من قضية غزة، رغم أنه بدا أكثر سخونة بكثير من موقف الحكومة. قد يمنح هذا الأحزاب الجديدة أصواتاً كانت تصوت للاشتراكيين لكنها لم تعد ترى فيهم “الموقف الإنساني” الذي كانوا يمثلونه تاريخياً. غير أن ذلك مرهون ربما بخطاب هذه الأحزاب الجديدة وعدم تبنيها خطاباً شعبوياً كالذي رأيناه سابقاً.
قضايا الرعاية الصحية والنظام والقانون تتصدر أولويات الناخبين السويديين حالياً، حسب استطلاعات الرأي، بعد تفاقم أزمات الرعاية الصحة وجرائم العصابات، غير أن الأحزاب تخطئ بعدم الانتباه إلى أولويات أخرى لدى جمهور من المهاجرين، يتمثل أحدها في الخطاب العام الذي ساد خلال السنوات الماضية، وبات مهاجرون يشعرون معه أنهم أصبحوا “مواطنين من الدرجة الثانية” أو “مواطنين غير مرغوب بوجودهم”. خصوصاً بعد الغمز واللمز على وزيرة الثقافة وسياسية لأنهما من أصول مهاجرة.
على كتلة اليمين يتغير المشهد أيضاً، الليبراليون والمسيحيون الديمقراطيون مهددون بعدم دخول البرلمان، المحافظون يتراجعون بينما يتقدم SD بخطى ثابتة. مشهد قد يضع كثيراً من الناخبين بين خيارين يزدادان وضوحاً: جيمي أوكيسون أم مجدلينا أندرشون؟
ما زال من المبكر تحديد اتجاهات الرأي العام قبل الانتخابات. غير أن من المهم للجميع ربما أن يهدؤوا وأن يبتعدوا عن لغة التخوين ونظريات المؤامرة وأن يبنوا اتجاهاتهم بناء على المعلومات والمصالح لا العواطف فقط.
كثيرون يتساءلون عن موقف الكومبس من النقاش الدائر، وعن موقفها في الانتخابات، ونجيب دائماً بأن الكومبس ليست حزباً سياسياً ولا تنتمي أيديولوجياً لأي تيار، وليس من مهمتها الترويج لحزب دون آخر، أيديولوجيتها الوحيدة تعزيز الاندماج لتكون صوت المهمشين والمعزولين، ومهمتها تزويدهم بمعلومات واستطلاعات وتحليلات وآراء من اتجاهات مختلفة تعينهم على تشكيل رأيهم الخاص.
مهند أبو زيتون