يتفاعل البشر عادةً مع الصدمات التي تُعرّضهم لخسائر كبيرة، من خلال مرورهم بخمس مراحل من مشاعر الحزن والإحباط، حسب النموذج الكلاسيكي للطبيبة النفسية السويسرية إليزابيث كوبلر-روس، التي تبدأ بمرحلة الإنكار والغضب، ثم المساومة والاكتئاب، وتنتهي بمرحلة القبول، أو ربما الخنوع.
الكاتب السويدي أندرياس سيرفينكا (Andreas Cervenka)، وفي مقال له نُشر صباح اليوم الجمعة في صحيفة أفتونبلادت، قال إن هذه المشاعر هي التي يعاني منها تقريباً السياسيون في أوروبا، مع نهاية العام الماضي، بسبب إصرار ترامب على ضم غرينلاند، خصوصاً أن السبب هو فقط لأنها مهمة استراتيجياً للولايات المتحدة.
طبعاً، نحن لا نعلم إلى أي مرحلة وصل الآن السياسيون الأوروبيون من مراحل الحزن الخمس، ولكن ما نعلمه هو أن ترامب قد غيّر المعادلة، وأن الولايات المتحدة القديمة لم تعد موجودة، ليس لأنهم يفقدون صداقة أخ كبير كان لهم سنداً وعوناً، بل لأن الصدمة تتمثل في اعتماد الاقتصاد الأوروبي، وبشكل كامل، على عمالقة التكنولوجيا والمؤسسات المالية الأميركية، وارتباط معظم المنتجات الأوروبية بالأسواق الأميركية، أي أن الاقتصاد الأوروبي يبدو وكأنه تابع كلياً للاقتصاد الأميركي.
وفق تحليل أجرته الشركة السويسرية بروتون في وقت سابق من هذا العام، يعتمد 74 بالمئة من الشركات الأوروبية المدرجة في البورصة على عمالقة التكنولوجيا الأميركيين في البنية التحتية الرقمية الحيوية. وفي دول الشمال، بما فيها السويد، تتجاوز النسبة 90 بالمئة.
و90 بالمئة أيضاً هي نسبة البيانات الأوروبية المخزّنة لدى خدمات الحوسبة السحابية الأميركية مثل غوغل ومايكروسوفت وأمازون. حسب مقال الكاتب السويدي أندرياس سيرفينكا نفسه.
عند النظر إلى تصريحات الأوروبيين الأخيرة، يبدو أن غالبية السياسيين هنا قد دخلوا فعلاً في مرحلة القبول أو في فترة الخنوع، بعد أن هدأت لهجة التصعيد ليحلّ مكانها تعابير مثل: الحوار، وحل النزاع، والطرق الدبلوماسية، وغيرها من المصطلحات والتعابير التي حوّلت قضية استيلاء دولة على أراضي دولة أخرى إلى مجرد نزاع.
حيث أكد رئيس حكومة غرينلاند، “موتي إيغهده”، أن شعب غرينلاند لا يريد أن يكون أمريكياً ولا دنماركياً، مع إبداء استعداده للحديث مع ترامب، وشدّد على أن التعامل يجب أن يكون عبر الحوار واحترام القانون الدولي.
وبمناسبة القانون الدولي، فقد مرّ العالم كله، وليس الأوروبيون فقط، بمراحل الحزن الخمس حسب نموذج الطبيبة السويسرية، عندما فقد هذا القانون قداسته بعد الحرب الوحشية على غزة، حينما أصبح الكيل بعدة معايير أخلاقية هو السياسة السائدة، خصوصاً في تفسير المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية، وحينما أصبحت جرائم الحروب والاعتداء على المدنيين وقتل الصحفيين مجرد أخبار عابرة دون حسيب أو رقيب. كل ذلك يحدث بسبب التواطؤ الأميركي، وبمباركة من الرئيس ترامب نفسه، مع أنه، وللمفارقة، يقدّم نفسه صانعاً للسلام، فهو الذي استطاع إيقاف 7 حروب وربع، حسب آخر تصريحاته.
إشارة خجولة
هنا في السويد، ومباشرة بعد عملية “اختطاف” الرئيس الفنزويلي مادورو من غرفة نومه، شهدنا تصريحات من مسؤولين سويديين بعيدة عن إدانة العملية، بل وقريبة من تبريرها، مثل تصريحات صدرت عن رئيس الوزراء أولف كريسترشون، يقول فيها إن الشعب الفنزويلي قد تحرر من نظام مادورو، ووصف النظام الذي كان يقوده بأنه “من أكثر الديكتاتوريات الاشتراكية قسوة في العالم”.
أما وزيرة الخارجية، ماريا مالمر ستينرغارد، فقالت إن الحكومة السويدية لن تذرف الدموع على فقدان مادورو للسلطة لأنه يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، مع أن كليهما، كريسترشون ومالمر ستينرغارد، أشارا بشكل خجول إلى أهمية القانون الدولي وضرورة احترام السيادة. قبل أن يعود رئيس الوزراء بعد أيام ليقول بشكل صريح إن ما فعلته الولايات المتحدة يخالف القانون الدولي.
الآن، من المؤكد أن الحكومة السويدية، وخصوصاً وزيرة خارجيتها، وبعد أن أصبح ترامب، الذي خطف مادورو، يشكّل تهديداً ملموساً لإحدى الدول المجاورة، من الأفضل لها توفير دموعها قبل أن تذرفها ربما على فقدان أوروبا لاستقلاليتها وشعورها بالتبعية الاقتصادية والسياسية لرئيس متقلب المزاج، وكطفل أحمق إذا أعجبته لعبة فعليه الحصول عليها فقط لأنها أعجبته، كل ذلك أمام خطر روسي عسكري، وخطر صيني اقتصادي، لا يستهان بهما.
محمود آغا