ضحّت أحزاب اليمين التقليدي في السويد بالكثير من مبادئها في سبيل الوصول إلى الحكم بعد انتخابات 2022، وقدّمت تنازلات مست جوهر قيمها الليبرالية ضمن اتفاق تيدو، بعد أن فرض حزب ديمقراطيي السويد (SD) شروطه مقابل تأمين الأغلبية البرلمانية للأحزاب الحاكمة حالياً.
واليوم يبدو أن أول الخاسرين من هذه التنازلات هما حزب المحافظين (الموديرات) والحزب الليبرالي، إذ تعصف بالأخير خلافات داخلية كبيرة، بالتوازي مع تراجع حاد في شعبية الحزبين، وفق جميع استطلاعات الرأي خلال أكثر من عامين. ففي الوقت الذي يخسر فيه المحافظون، الذين كانوا أكبر أحزاب اليمين، العديد من مؤيديهم لصالح حزب SD، يحصل هذا الحزب الذي كان يوصف سابقاً بـ”المنبوذ” على شرعية سياسية جديدة بعد أن دخل دائرة صنع القرار.
أما الحزب المسيحي الديمقراطي فيبدو حتى الآن الناجي الوحيد نسبياً من تداعيات اتفاق تيدو. ويُعزى ذلك إلى قدرة رئيسة الحزب إيبا بوش، في كثير من الأحيان، على منافسة رئيس حزب SD جيمي أوكيسون في تبني مواقف متشددة تجاه قضايا الاندماج وما تصفه بخطر الإسلاميين، إضافة إلى ملفات الهجرة واللجوء.
ما يحدث اليوم داخل الحزب الليبرالي في السويد ليس بعيداً عما شهدته أحزاب محافظة أخرى في عدة دول أوروبية، حيث تقلصت شعبيتها أمام صعود اليمين الشعبوي والقومي. ففي النرويج مثلاً، شهدت الانتخابات العام الماضي فوزاً لليسار الأخضر، بالتزامن مع صعود سريع لليمين المتطرف، بينما حقق حزب المحافظين (Høyre) المحسوب على التيار الليبرالي نتيجة وُصفت بالكارثية.
وفي ألمانيا خسر الحزب الليبرالي جميع مقاعده في الانتخابات البرلمانية العام الماضي، كما خسر أيضاً تمثيله في انتخابات مجالس الولايات هذا العام.
لا “ورقة نعي” بعد
ومع ذلك، من المبكر الحديث عن “ورقة نعي” للحزب الليبرالي في السويد، رغم خطورة الانقسامات التي يواجهها حالياً والتراجع التاريخي في شعبيته. فهذا الحزب يُعد من أقدم الأحزاب السياسية في البلاد، وقد قاد عدداً من الحكومات السويدية وشارك في تشكيل حكومات ائتلافية متعددة منذ تأسيسه العام 1934.
التطور الجديد الذي يهدد بتفتيت الحزب يتمثل في تراجع قيادته عن موقف سابق يقضي بعدم قبول دخول حزب SD في حكومة مقبلة، وهو ما أثار استياء عدة منظمات حزبية، خصوصاً في منطقتي ستوكهولم وأوبسالا اللتين تميلان نسبياً إلى الجناح الأكثر ليبرالية داخل الحزب.
وفي هذا السياق قال راسموس يونلوند، عضو مجلس إدارة اتحاد الحزب الليبرالي في محافظة ستوكهولم، بصدد تراجع الحزب عن موقفه “لا يجوز أن يحدث ذلك. في العام الماضي دفعنا باتجاه أن يخوض الحزب الليبرالي الانتخابات كحزب مستقل. نحن الآن أمام موقف جديد سيكون على النقيض تماماً من الموقف الذي اتفقنا عليه في اتحاد ستوكهولم قبل أقل من عام”. وأضاف “يُقال أحياناً إن ممثلي الحزب يجب أن يكونوا أوفياء لقيادة الحزب، وأنا بطبيعة الحال أتوقع أن تكون قيادة الحزب وفية للحزب وللقرارات التي تم اتخاذها”.
في المجمل ترى قيادة الحزب الليبرالي أن التعاون مع SD هو تعاون برلماني وليس أيديولوجياً كاملاً، وأن الهدف منه هو تشكيل حكومة يمين وسط وتنفيذ سياسات تتعلق بالتعليم والاقتصاد.
في المقابل يرى المنتقدون داخل الحزب أن هناك تناقضاً واضحاً بين مبادئ الحزب الليبرالي القائمة على الحرية الفردية والديمقراطية والانفتاح، وبين مبادئ حزب SD الذي نشأ من حركة قومية متشددة ويتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه قضايا الهجرة والهوية الوطنية. ويرى بعض الليبراليين أن التعاون مع SD يتعارض مع القيم الليبرالية التقليدية.
غير أن السؤال يبقى: أين كان هؤلاء المنتقدون عندما أدخل كريسترشون “الدب” إلى كرم الليبرالية المحافظة عبر بوابة اتفاق تيدو بعد انتخابات 2022؟
محمود آغا