المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: منذ سنوات، يزداد حضور الخطاب الذي يربط الهجرة في السويد بالجريمة، وفشل الاندماج، والتطرف. ومع كل حادثة إطلاق نار أو تقرير عن العصابات، يعود السؤال نفسه: هل كانت الهجرة خطأ؟
الحقيقة أن هذا السؤال مشروع، لأن من حق المجتمع أن يقلق على أمنه ومستقبله. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول القلق المشروع إلى أحكام جماعية، وعندما تختفي ملايين القصص الناجحة خلف عناوين الأخبار السوداء.
اليوم، سجل اللاعب السويدي من أصل تونسي ياسين عياري هدفين في مرمى تونس. وبعد المباراة سُئل عن شعوره وهو يسجل في شباك بلد والده، فأجاب بكلمات بسيطة لكنها عميقة: “أحب تونس، ففيها أقارب وأصدقاء، لكنني ألعب للسويد، ومن واجبي أن أبذل كل ما أملك من أجل المنتخب الذي أمثله”.
أعادتني هذه الكلمات إلى آلاف المهاجرين الذين أعرفهم في السويد، أطباء يعالجون المرضى في المستشفيات، وممرضات يعملن في المناوبات الليلية، ومدرسون يربّون جيلاً جديداً، وعمال يستيقظون قبل الفجر ليذهبوا إلى أعمالهم، وشباب ولدوا هنا ويحلمون بمستقبل أفضل لهذا البلد.
هؤلاء لا يظهرون في نشرات الأخبار. فالخبر يذهب دائماً إلى المجرم، لا إلى الممرض، وإلى زعيم العصابة، لا إلى الباحث الجامعي، وإلى المتطرف، لا إلى رجل الإطفاء.
أنا شخصياً لا أنكر وجود مشكلات حقيقية داخل بعض البيئات المهاجرة. بل إن إنكارها سيكون خيانة للمجتمع الذي منحنا الأمان والفرصة. نعم، هناك فشل في الاندماج، وهناك جريمة، وهناك من أساء إلى السويد وإلى صورة المهاجرين أنفسهم.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: هل يُعقل أن يُحاكم ملايين البشر بسبب أفعال أقلية؟ لو طبقنا هذا المنطق على أي فئة أخرى، لما قبله أحد.
لقد جاءت إلى السويد أجيال كثيرة قبل العرب والمسلمين، فنلنديون، ويوغوسلاف، وإيطاليون وغيرهم. وفي البداية واجهوا أيضاً الشكوك والخوف. لكن الزمن أثبت أن الإنسان يُقاس بما يقدمه، لا باسم عائلته ولا بمكان ولادته.
الإنسان يختار أي مواطن يريد أن يكون
أنا أفهم خوف الناخب السويدي من الجريمة، وأتفهم مطالب الأحزاب التي تريد حماية المجتمع. لكن حماية السويد لا تكون بزرع الانقسام بين الناس، بل بتعزيز القانون، ودعم التعليم، وخلق فرص العمل، ومحاسبة المجرم بوصفه مجرماً، لا بوصفه ممثلاً لملايين البشر.
في النهاية، لا أحد يختار اسم أبيه أو البلد الذي ولد فيه، لكن الإنسان يختار كل يوم أي مواطن يريد أن يكون.
وربما كان أجمل ما قاله ياسين عياري، دون أن يقصد، هو أن الإنسان يستطيع أن يحمل حباً صادقاً لجذوره، وفي الوقت نفسه يكون وفياً للوطن الذي منحه مستقبله.
فالولاء الحقيقي لا يُولد مع الإنسان، بل يُبنى بالامتنان والعمل والمسؤولية.
فاروق الدباغ