المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في كل صباح، يخرج آلاف السويديين من أصول مهاجرة من بيوتهم متجهين إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم. يفعلون ذلك بهدوء، دون ضجيج، ودون حاجة إلى تذكير أحد بأنهم جزء من هذا المجتمع. يعملون في المستشفيات، في مواقع البناء، في وسائل النقل، في المدارس، وفي مؤسسات الدولة المختلفة. لا يظهرون في نشرات الأخبار، ولا تتصدر وجوههم العناوين العريضة، لكنهم حاضرون في كل تفاصيل الحياة اليومية. هؤلاء هم ما يمكن تسميتهم بالأغلبية الصامتة، أو إن شئنا الدقة: الجبهة الداخلية التي يقوم عليها استقرار المجتمع.

في المقابل، يتابع هؤلاء بقلق تصاعد خطاب إعلامي وسياسي يكاد لا يخلو من كلمة “مهاجرين”. جريمة هنا، مقترح قانون هناك، تشديد أمني، نقاش حول الجنسية أو القيم. ومع تكرار هذا الخطاب، يتشكل شعور ثقيل لدى كثيرين بأن الفرد لم يعد يُنظر إليه كشخص مسؤول عن أفعاله، بل كجزء من كتلة واحدة تُستدعى كلما حدث خلل أو أزمة.

هذا الشعور يتضاعف عندما يستيقظ مواطن سويدي من أصول مسلمة ليجد صورة متداولة لمصحف اخترقته طلقات نارية، رُسمت على صفحاته هيئة صليب، ومُعلّق بسلسلة حديدية أمام مسجد في ستوكهولم، مع عبارة تقول: “شكراً للزيارة، حان وقت عودتك إلى المنزل”. هنا لا نتحدث عن “رأي” أو “استفزاز”، بل عن رسالة إقصاء واضحة، تستهدف الإحساس بالانتماء، وتزرع الخوف والشك في مكان يفترض أن يكون آمناً للجميع.

وفي الوقت نفسه، وعلى الجهة الأخرى من المشهد، تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملات تحريض وتضليل، ورسائل تهديد ووعيد تستهدف السويد كمجتمع ومؤسسات. أصوات متطرفة، بعضها ديني وبعضها سياسي، لا تبحث عن حلول، بل تتغذى على التوتر والانقسام، وتسعى إلى تحويل كل حدث إلى مواجهة مفتوحة بين “نحن” و”هم”.

وسط هذا المناخ المشحون، تتوالى أخبار الجرائم: اغتصاب مسنّة، سرقة، احتيال، أو سلوك فردي يُقدَّم أحياناً مقروناً برمز ديني أو ثقافي. الأغلبية الصامتة تعرف جيداً أن هذه أفعال أفراد، لا تمثل ديناً ولا ثقافة ولا جنسية. لكن الخطورة تكمن في التكرار، وفي الطريقة التي تتحول بها هذه الوقائع إلى مادة للتعميم، وكأن المجتمع بأكمله متهم بسلوك قلة خارجة عن القانون.

محاسبة الفرد لا الجماعة

المجتمع السويدي، تاريخياً، قام على مبدأ واضح: دولة قانون تحاسب الفرد على فعله، لا الجماعة على هويتها. من يرتكب جريمة يُعاقَب وفق القانون، بالسجن أو بغيره من العقوبات المنصوص عليها. هذه الأدوات موجودة ولا تحتاج إلى تحميلها أبعاداً رمزية تمس الانتماء أو المواطنة. ما يهدد الثقة فعلًا هو شعور الناس بأن وجودهم بات مشروطاً، وأن استقرارهم يمكن أن يهتز بسبب أفعال لم يرتكبوها.

ما يحتاجه المجتمع اليوم ليس تصعيداً في الخطاب، ولا مزيداً من اللغة الحادة، بل عودة إلى خطاب التوازن والطمأنينة. خطاب قادر على الاعتراف بالمشكلات دون تضخيمها، وعلى معالجة الجريمة دون تحويلها إلى أداة استقطاب. خطاب يميز بوضوح بين الفرد والجماعة، وبين السلوك الإجرامي والهوية.

الخطر الحقيقي في اللغة المستقطِبة أنها تفتح الباب أمام أعداء الديمقراطية من كل الجهات: متشددين دينيين، أو متطرفين قوميين. وعندما تسود لغة الخوف، يصبح المجتمع كله رهينة للأطراف الأكثر تطرفاً، ويدفع المعتدلون الثمن بصمت.

الأغلبية الصامتة، التي تعمل وتدفع الضرائب وتربي أبناءها وتستثمر ثقتها في المجتمع، لا تطلب معاملة خاصة ولا إنكاراً للواقع. ما تطلبه بسيط وعميق في آن واحد: خطاب عقلاني، عادل، يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة كعقد مشترك، لا كورقة ضغط سياسية، ويرى في التعايش والتلاحم الاجتماعي قوة تحمي المجتمع، لا ضعفاً يهدده.

هذا هو الطريق الذي حافظ على استقرار السويد عبر أجيال، وهو الطريق القادر اليوم أيضاً على حماية المجتمع، في أوقات الأزمات كما في صمت الحياة اليومية.

فاروق الدباغ