المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: قد يبدو من السهل في البداية إلقاء اللوم على طرف واحد في قصة الطلاق، حيث تُقسَّم الأدوار ببساطة بين “الخير” و”الشر”، وبين “الضحية” و”الجلاد”. هذه الرواية الأحادية سائدة في كثير من المجتمعات العربية، لكنها لا تعكس تعقيدات الواقع. فالطلاق ليس مجرد فشل أو خيانة، بل هو إعادة تشكيل لعلاقة الإنسان بذاته وبالآخرين.

الثقافة المجتمعية وتأثيرها على نظرتنا للطلاق

في المجتمعات العربية، نحن محاطون بأحكام اجتماعية مسبقة ترسم نظرتنا للطلاق. غالبًا ما يُنظر إليه كعبء ثقيل يحمل معاني العار والفشل، ويُعتبر الشخص المطلق غير قادر على بناء حياة مستقرة. هذه النظرة تترك أثرًا عميقًا على الفرد، فيميل كل طرف إلى تشويه صورة الآخر وتحميله كامل المسؤولية، في محاولة للتملص من هذا العار الاجتماعي.

لكن في السويد، حيث تتداخل ثقافات متعددة، يجد كثير من المطلقين أنفسهم قادرين على النظر إلى ذواتهم برحمة أكبر. وهنا، من المهم ألا نقع في فخ المقارنة المباشرة، فالبنية الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الغربية قد تسهّل هذه التجربة، وتمنحها سياقات أكثر مرونة. يشبه الأمر تركيب قطع “الليغو” لبناء هيكل جديد… مختلف.

الطلاق كفرصة لإعادة البناء

الطلاق، مثل أي تجربة حياتية كبرى، يثير العديد من التساؤلات: لماذا حدث؟ كيف؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ لكن في هذا المقال، لا أركز على ما قبل الطلاق، بل على المرحلة التالية له: مرحلة إعادة البناء.
تغيير زاوية النظر إلى أنفسنا يمكن أن يمنحنا وعيًا جديدًا وفهمًا أعمق. نعم، الطلاق غالبًا ما يكون مصحوبًا بألم وحزن، خاصة إذا كان هناك أطفال يتأثرون به. لكن الوقوف على الأطلال يعني التوقف عن الحياة.
بغض النظر عن الأسباب، يمكن لهذه التجربة أن تكون نقطة انطلاق لبداية جديدة وفرصة لاكتشاف الذات وبناء حياة مختلفة.

التقبّل والسماح بالحزن

لا يمكن لتجربة الطلاق أن تخلو من الألم، حتى وإن كانت الخيار الأفضل أحيانًا. المهم هو أن نخرج منها بوعي أكبر، بعيدًا عن عقلية الضحية أو الهروب من الألم عبر علاقة جديدة. إن تحمّل المسؤولية والوعي الذاتي هما من أهم خطوات النمو.
من المهم أن نقبل مشاعر الحزن، والخذلان، والألم. وأن نتقبّل فكرة أن يُهجر الإنسان، مهما كان جميلاً، ذكيًا، مميزًا أو حتى “مثاليًا”. لا يمكننا أن نجبر أحدًا على أن يحبنا بالطريقة التي نرغب بها.

“من أنا؟” – سؤال ما بعد الطلاق

يتركنا الطلاق أحيانًا بطعم الفشل وانعدام الثقة بالنفس، فيظهر السؤال: “من أنا؟”
سؤال قديم، لكنه يطرح بعمق جديد. فلطالما أجبنا عليه بمسميات ثابتة: الاسم، اسم العائلة، الوظيفة… لكن هل هذا هو كل ما نعرفه عن أنفسنا؟
الكثير منا ينشأ داخل قوالب فكرية واجتماعية لا تسمح لنا بتشكيل هويتنا بحرية. نخشى التغيير، ونتمسك بما هو مألوف. لكن الحقيقة أن الإنسان في تطور مستمر. في كل مرحلة، نحن نسخة جديدة من أنفسنا.
إعادة طرح سؤال “من أنا؟” لا تعني جلد الذات، بل هي بداية لفهم أعمق.
ماذا أحب؟ ماذا أكره؟ ما صفاتي الجميلة؟ وما التي تحتاج إلى تطوير؟
ما مخاوفي؟ احتياجاتي؟ نقاط ضعفي؟ طموحاتي المؤجلة؟ جراحي القديمة؟
ما الذي يحرّكني؟ ما الذي يغضبني؟ ما الذي يسعدني؟
كل هذه الأسئلة تقودنا إلى أهم علاقة في حياتنا: علاقتنا بأنفسنا.
إننا كثيرًا ما نغفل عن أجمل أنواع الحب: حب الذات، الحب الواعي، الصحي، الرحيم.

العلاقات والحب: إعادة تعريف

كنت أظن أن الحب هو شغف جامح ومشاعر جياشة، وأنه سبب كافٍ للزواج. مثل كثيرين، تأثرت بقصص الحب في ثقافتنا، كقصة “عنترة وعبلة”. لكن مع مرور الوقت، ومع التجارب، أدركت أن هذا النوع من الحب أحيانًا يكون إنكارًا للذات، تعلقًا مرضيًا، ورغبة في الشعور بالقبول ولو على حساب أنفسنا.
الحب الحقيقي يبدأ من الداخل، من حب الذات، من احترامها، ومنحها حق الرفض والقبول، والحرية. إذا لم نحب أنفسنا ونفهمها جيدًا، فلن نحب الآخرين بشكل صحي.
العلاقات الصحية تبدأ من علاقة صحية مع النفس، وهي تتطلب أدوات جديدة: الوعي، التواصل، والاحترام المتبادل. فقط عندما نتعلّم كيف نكون شركاء أفضل لأنفسنا، نستطيع أن نكون شركاء أفضل للآخرين.

مرحلة ما بعد الطلاق

إذا كنت في مرحلة ما بعد الطلاق، فأنا أفهم ما تمرّ به: الحزن، الغضب، شعور الخسارة، وربما حتى الكراهية، وتلك الرغبة العميقة في أن ترى الآخر يتألم كما تألمت. لكن الحقيقة التي نعرفها جميعًا هي أن تعاسة الآخر لا تصنع لنا سعادة.
فلا تتعلّق بالكراهية، ولا تغرق في رثاء الذات.
وأرجوك، لا تراقب من بعيد… فذلك لا يشفي، بل يعلّقك أكثر بما مضى.
ما تحتاجه الآن هو أن تختارك. أن تركّز على صحتك النفسية والجسدية. أن تطلب المساعدة حين تحتاج، وأن تحيط نفسك بأشخاص يرونك ويحتوونك.
فكّر: ما الذي تعلّمته من هذه التجربة؟ وماذا يمكن أن تبني بها؟
قد لا تكون البداية سهلة، لكنها بداية… والبدايات الصادقة تُثمر دائمًا.
امنح نفسك الوقت، والرحمة، والأدوات لتبدأ من جديد.

علا برغوثي