Lazyload image ...
1.9K View

نشوة انتصار حزب SD في المشاركة بأول ميزانية تحصل على الفوز في البرلمان السويدي، الأسبوع الماضي، شجعت جيمي أوكيسون رئيس هذا الحزب على التمادي في أحلامه والإعلان عن رغبته واستعداده لكي يصبح رئيساً لوزراء السويد، مضيفا أن حزبه يعد من الأحزاب الكبرى وفي حال استطاعت أحزاب اليمين الاتفاق على تحالف جديد، فلماذا لا يكون هو وليس غيره، في منصب رئيس الوزراء بدل الاكتفاء بوزارة معينة؟
المختصون والمتابعون للشأن السياسي لا يستبعدون أن يصبح أوكيسون رئيسا للوزراء، خاصة لأن الفارق بينه وبين حزب المحافظين ليس كبيرا، وفي حال أصبح هو الحزب رقم 1 بين أحزاب التحالف اليميني الجديد، فمن المنطقي أن يصل جيمي أوكيسون إلى أن يكون أول يميني متطرف يقوم بتشكيل حكومة في السويد.

تسارع الأحداث والمتغيرات في السويد ومحيطها الأوروبي والعالمي، يصعب التنبؤ كيف سيكون عليها مزاج الناخبين في الأشهر المقبلة والفاصلة إلى حين موعد انتخابات سبتمبر 2022 فمن الممكن أن ينتقل ناخبون جدد إلى تأييد أحزاب أخرى فقط لارتفاع الكهرباء أو في حال واجهت السويد موجة جديدة من كورونا أو لأي متغير طارئ مباشر أو غير مباشر ناجم عن تراكمات سابقة.
ما يمكن ملاحظته أن المعارضة اليمينية اجمالا قد نظمت صفوفها وحفرت الخنادق منذ وقت لمواجهة المعركة الانتخابية على صورة أفضل مما قامت وتقوم به الجبهة اليسارية، التي تبدو غير مترابطة، وحتى ضعيفة امام هجمات استباقية وانتصار بارز حققه اليمين من خلال إقرار ميزانيته على حساب الميزانية الحكومية.

تزايد تصريحات اليمين المتطرف وقاحة ضد الأقليات العرقية والدينية
ومع ذلك نرى أن اليمين المتطرف زاد من حدة وقاحة تصريحاته، المسيئة للأقليات الدينية والعرقية في السويد، خاصة الموجهة ضد المسلمين، في الآونة الأخيرة، والتي كان آخرها تصريح للمتحدث باسم حزب “ديمقراطيو السويد” الـ SD لشؤون المدارس، ريشتارد يومشوف والتي صف فيها الدين الإسلامي، بأنه دين سيء، قائلا وبكل وقاحة ووضوح: لا يمكن القول بإن الإسلام جيد مثل الدين المسيحي، بل هو أسوأ. مضيفاً بأن الإسلام، دين لا يمكن السيطرة عليه.

يترافق ذلك مع أخبار متلاحقة عن إساءات تقوم بها شخصيات قيادية، في هذا الحزب، مثل قضايا التحرش الجنسي، واستخدام المال العام على الأمور الشخصية، وحتى ارتكاب جرائم القتل.
هذه التصرفات المشينة تعطي انطباعا، عن طبيعة هؤلاء الذين يعتقدون بأنهم يمثلون النقاء السويدي العرقي، والمثالي بالالتزام في القوانين والأخلاق العامة، مقابل طرح أنفسهم بأنهم يتصدون للشوائب من الأجانب الخطرين على هذا النقاء لأن الأجنبي هو مثالا للفوضى والجريمة والابتعاد عن الولاء للسويد، حسب ما ينشرونه ويروجون له.

كاتب سويدي: أوكيسون ليس نازياً ـ إنه أسوأ من ذلك بكثير

قبل أيام وتحت هذا العنوان: Åkesson är inte nazist – det är värre än så الذي يعني: “أوكيسون ليس نازياً ـ إنه أسوأ من ذلك بكثير” نشرت المسائية السويدية مقالاً للكاتب السويدي اليساري المشهور Jan Guillou والذي يلفظ اسمه بالعربية “يان غييو”، ضمن عدة مقالات ينشرها هذا الكاتب وغيره للتحذير من خطر التطرف اليميني الذي أصبح جزءا من الحياة السياسية السويدية.
 طبعا صفة النازية لا تروق لرئيس حزب “ديمقراطيو السويد SD” جيمي أوكيسون الذي يُظهر الغضب عندما ينعته أحدهم بأنه نازي، كما حدث اثناء آخر مناظرة تلفزيونية، بين رؤساء الأحزاب، في 9 من شهر أكتوبر، عندما استشاط أوكيسون غضبا من وصف حزبه باللون البني، من قبل مسؤول حزب البيئة بير بولوند. عندما كرر أوكيسون سؤاله بغضب “من هو الحزب البني؟ هل تقصد أنني نازي؟”
قصة ارتباط اللون البني بالنازية تعود إلى بداية ثلاثينيات القرن الماضي، عندما أُطلقت على مجموعة نازية شبه عسكرية كانت ترتدي الزي العسكري البني لقب “القمصان البنية”.

لكن “يان غييو” في مقاله يذهب إلى أبعد من إطلاق وصف النازية على أوكيسون وحزبه، موضحا فيما معناه بأن ما هو أسوأ من خطر النازية هو أن يرتدي الذئب لباس النعجة، فاليوم لا يستطيع النازيون العلنيون، ممارسة السياسة والدخول في الحياة السياسية العادية في السويد، ومعظم الدول الأوروبية، خاصة النازيون الذين لم يتخلوا عن وضوح أفكارهم وسياساتهم وتوجهاتهم، فهم ممنوعون اليوم من خوض الانتخابات، وبالتالي لا يدخلون إلى البرلمانات ولا يتمتعون باستخدام مساحات إعلامية وترويجية علنية لنشر سموم أفكارهم الخطيرة.

في هذه الحالة من الطبيعي أن يرفض جيمي أكيسون أن يوصف بالنازي، لأنه في حال كان نازيا معلنا سيكون عضوا في جماعة غير مهمة سياسيا، بل سيمنع من ممارسة نشاطاته السياسية العلنية والجماهيرية، لذلك قال عنه الكاتب غييو بأنه ليس نازيا، بل أسوأ من ذلك بكثير. رغم وضوح لونه السياسي البني.

وتحت اللون البني، أي المجتمع السياسي الفاشي، انخرط سابقا وينخرط حالياً عدد كبير من التشكيلات الحزبية المختلفة، عرفناها عبر التاريخ أو هي لا تزال موجودة بيننا في الوقت الحاضر، تماما مثل ما تنضوي تحت اللون الأحمر مثلاً، مجموعة الأحزاب والحركات اليسارية والكلام لا يزال للكاتب “يان غييو”

في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وبعدها بفترة وجيزة، عرفنا النوع العنيف والمتطرف بقسوة من الفاشيين والنازيين مثل: حركة Arrow Crosss في المجر، والحرس الحديدي في رومانيا، وحركة  “Hirden” في النرويج، والفاشيون الأُصوليون في إيطاليا، وحركة  Falangists  في إسبانيا، وبالطبع النازيون الذين سيطروا على ألمانيا بداية ثلاثينيات القرن الماضي. لكن الآن وفي العصر الحالي، نشاهد امتدادات لهذه الحركات النازية التي قامت بتحديث نفسها، وتخلت مضطرة عن وحشيتنا الدموية العنيفة، لتتخذ من الليونة طريقا لدخول الحياة السياسية، مع احتفاظها بنفس مواقف أسلافها الأيديولوجية الأساسية.
ومن هذه الحركات الحديثة: الجبهة الوطنية (الآن الجمعية الوطنية) في فرنسا، فيدس في المجر و SD في السويد. الجوهر الأيديولوجي النازي في كل هذه الحركات الحالية واضح للعيان ولا لبس فيه.
فقط الحركات النازية المتشددة الداعية التي لا تزال تدعو إلى العنف هي التي عزلت نفسها سياسيا وبقيت مهمشة.

الخطورة ببقاء امتدادات لينة وناعمة لهذه الحركات الوحشية، يتمثل في تغيير الخطاب الموجه للشارع، وهو خطاب يوصف بالشعبوي ولكن الوصف الأدق له الخطاب الشارعي أو الشوارعي نسبة للشارع، فلم نعد نجد استخدامات مباشرة لمفهوم “نقاء العرق والجنس” بل أصبحنا نسمع كلمات ومصطلحات تناسب ما يتردد في الشارع، مثل تخويف الناس بتهديدات وتحذيرات من الخلط العنصري، أو من خطر التعددية الثقافية، أو خطر تزايد الجريمة بسبب الهجرة وتقاسم موارد الوطن وفرص العمل والتعليم مع الغرباء.
يوضح الكاتب “يان غييو” أن حزب الـ SD  كان دائما يبحث عن رمز تاريخي يجذب من خلاله السويديين ويدغدغ عواطفهم، فلجأ أولا إلى رموز حقبة الفايكينغ ثم استحضروا بطولات الملك السويدي وتشارلز الثاني عشر الذي خاض حروبا طويلة أدت إلى أن يفقد الشعب السويدي نصف سكانه بسببها، إضافة إلى رموز أخرى من الكتب مثل Bullerbyn والإخوة قلب الأسدBröderna Lejonhjärta  أو شخصيات سياسية حديثة نسبيا  ليست لها علاقة بالنازية مثل رئيس وزراء السويد أثناء الحرب العالمية الثانية Per Albin  وغيرهم. في محاولات مستمرة لتزوير منهجي للتاريخ وتصوير هذه الشخصيات التاريخية وكأنهم الآباء الحقيقيون للنازية الحديثة.

يغيرون جلدهم ولكنهم على نفس خطى أسلافهم

في تصريحات سابقة لـ بيورن سودر أحد زعماء حزب SD قال إنه لا يمكن اعتبار اليهود وشعب سامي على أنهم سويديون حقيقيون بصراحة تامة، فكيف يمكن لهذا الحزب أن يعتبر العرب والأفارقة مثلا، المقيمون أو المولدون هنا على أنهم سويديون.

من المسلم به أن حزب الـ SD يحاول تمويه عنصريته الأساسية أيديولوجيا من خلال إعادة صياغة العبارات. في بيانات الحزب، تم استخدام كلمة “جوهر” بدلاً من “عرق”، لكن المعنى هو نفسه بالطبع. والتهديد الأجنبي موجود دائما، عندما ادعى جيمي أن الأجانب يسيطرون على السويد أو أننا بالفعل في “حرب أهلية”.

تشمل أسس الاستراتيجية العنصرية، دائما، التشديد على فكرة أن “الشعب” ملتزم بالقانون و “الآخرون” مجرمون بطبيعتهم. النازيون يزرعون فكرة أن الشعب هو هم، أما الآخرون، فهم كل من ليس سويديا بالعرق، أو بالجوهر حسب التمويه الحديث.

عندما تساهم الضحية بتقوية الجلاد وزيادة شعبيته
المصيبة هي عندما يقتنع السويدي العادي بمثل هذه الأفكار ويصوت لهذا الحزب، والمصيبة الأكبر عندما يعتقد من هو مستهدف من قبل آفة العنصرية، بأنه إذا انتخب الأحزاب اليمينية المتطرفة، فهو يصبح قريبا منهم وسيسلم من شرهم، لكن هذا الذي هو من أصول مهاجرة، قد يضع نفسه في مرتبة أعلى من بقية اللاجئين والمهاجرين، وبالتالي لا يعلم بأنه يساعد الأحزاب العنصرية على تحصيل شعبية أكثر، يمكن أن توصلهم للحكم، وللسيطرة بالتالي على المجتمع ومؤسساته، فهم يملكون استراتيجية طويلة الأمد، ومتجذرة بعمق في التاريخ الفاشي، فبعد السيطرة على وسائل الإعلام. عندها يتجه الأمر إلى عملية تحويل القيم “الليبرالية اليسارية” السائدة في الحياة الثقافية اليوم إلى ثقافة “سويدية أصولية” تهيمن عليها قوى اليمين المتطرف. وفي كل ذلك عبر ودروس لا يعرف قيمتها إلا من اطلع على التاريخ وتعلم منه.

د. محمود أغا

رئيس تحرير مؤسسة الكومبس الإعلامية

Related Posts