المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: ليست السويد اليوم مجرد خرائط ساكنة أو هادئة تمتد بين الغابات والبحيرات، ولا هي ذلك النموذج الاجتماعي الذي طالما قُدِّم للعالم بوصفه معادلة مكتملة لا يعتريها القلق أو النقص. فالبلاد، مثل البشر، لا تعيش على صورة جامدة إلى الأبد، بل تمر بأزمنة تعيد فيها النظر إلى نفسها، وإلى ما تظنه ثابتاً فيها. فهناك أسئلة كبيرة، أسئلة لا تتعلق بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل بمعنى العيش المشترك نفسه، وبقدرة الناس على أن يبقوا مجتمعاً واحداً رغم اختلاف الذكريات والأسماء واللغات وملامح الوجوه.

وفي قلب هذه الأسئلة تقف يارفا، بأحيائها المتجاورة وحكاياتها المتشابكة، لا باعتبارها استثناءً سويدياً غريباً، بل مرآة صغيرة تعكس صورة مجتمع كامل يبحث عن توازنه بين ما كان وما يتشكل أمامه اليوم.
فحين تُذكر يارفا أو تنستا أو رينكبي أو هوسبي أو شيستا، أو أي منطقة مُهمشة، تقفز إلى أذهان الكثيرين، صور صنعها الإعلام قبل أن تصنعها الحياة اليومية، أخبار الجريمة، والقلق الأمني، وأزمات الاندماج، والجدل السياسي المتكرر. لكن الأماكن، شأنها شأن البشر، كثيراً ما تختنق داخل الصور النمطية المختصرة التي يُقال عنها أكثر مما يُعاش فيها.

وفي السويد اليوم، لا يدور النقاش حول الهجرة والاندماج والهوية في حدود السياسة وحدها، ولا يمكن حبسه داخل قاعات البرلمان أو استوديوهات المناظرات. إنه حديث يمر عبر البيوت قبل البرامج الانتخابية، ويطرق أبواب المشاعر قبل أبواب المؤسسات، لأن جوهره، في نهاية المطاف، سؤال قديم بملامح جديدة:
كيف يُصبح الناس مجتمعاً واحداً من غير أن يخاف بعضهم من بعض، ومن غير أن يشعر أحد بأنه غريب في المكان الذي يعيش فيه أو زائد عن حاجته؟

ففي تلك الشوارع نفسها التي تتنازعها العناوين الساخنة، يعيش أناس يشبهون غيرهم أكثر مما يختلفون عنهم. آباء وأمهات ينهضون إلى أعمالهم مع كل صباح، يحملون أبناءهم إلى المدارس، يهتمون بمستقبل أُسرهم، ويتابعون بهمومٍ مثقلةٍ جُنون الأسعار والإيجارات والكهرباء والعلاج، ويتطلعون، كغيرهم تماماً من أبناء الوطن، إلى حياة آمنة مطمئنة تحفظ الكرامة وتترك للغد نافذة من الرجاء والأمل.

ولعل هذا ما منح أسبوع يارفا مكانته الخاصة. فالمناسبة ليست، في جوهرها، مهرجاناً عابراً لا مجرد منصة للخطابات السياسية، بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات والمسافات بين الناس والسلطة، وبين المركز والهوامش، وبين الصورة النمطية والواقع الحي.

كأن الفكرة كلها تقوم على تذكير بسيط لكنه بالغ الأهمية والدلالة: أن من يعيش بعيداً عن وسط المدينة ليس بالضرورة بعيداً عن قلب الوطن، وأن المواطن لا يصبح أقل شأناً لمجرد أن عنوانه البريدي يقع خارج الأحياء اللامعة أو لأن اسمه مُشتق من لغة أخرى.

ولهذا يتحول المكان، في أسبوع يارفا، إلى مساحة نادرة يخف فيها ثقل التصنيفات الجاهزة، يلتقي فيها السياسي بعامل الحافلة، والطالب بالأستاذ، والناشط برجل الدين، والمهاجر بابن البلد الإثني، لا باعتبار أحدهم قضية والآخر حلاً، أو رقماً أو ملفاً اجتماعياً أو مادة انتخابية والآخر صاحب قرار، بل باعتبارهم بشراً يتشاركون الأرض نفسها والمصير ذاته مهما اختلفت أصولهم وتطلعاتهم، فمعاني الوطن والمواطنة واحدة لدى الجميع.

وربما لهذا يبدو تزامن أسبوع يارفا هذا العام مع عيد الأضحى المبارك أكثر من مجرد مصادفة في التقويم.
فالأعياد ليست زينة موسمية ولا طقوساً تنقضي بانتهاء أيامها، بل لحظات إنسانية بَنَّاءة تُعيد الإنسان إلى جوهره الأخلاقي الأول. وعيد الأضحى المُبارك، بما يحمله من معاني المواساة والعطاء والتضحية وصلة الرحم والشعور بالآخر، لا يدعو الناس إلى الانغلاق داخل جماعاتهم أو معتقداتهم، بل إلى فتح أبواب التعارف ومد جسور التواصل وتوسيع دوائر الرحمة.

صورة لا ترصدها الكاميرات دائماً

حين تلتقي أفراح عيد الأضحى المبارك مع لقاءات يارفا المفتوحة، تظهر للسويد صورة حضارية أخرى، صورة لا ترصدها الكاميرات دائماً ولا تتصدر الجدل السياسي، لكنها حاضرة في التفاصيل الصغيرة: تراها في عيون الأطفال وهم يلهون معاً دون أن يسألوا عن الأصل أو اللغة، وفي سماحة الجيران وهم يتبادلون الطعام والتحية، وفي سعادة اللحظات والابتسامات العابرة التي تنجح غالباً فيما تعجز عنه الخطب المُنمقة والمناظرات الحادة.

فالخوف لا يَنبت عادة من المعرفة، بل من الفراغ الذي تغيب عنه المعرفة، ومن اتساع المسافات بين الناس والنفوس، وعدم تَفَهُّم الآخر وظروفه.

وحين تقل المعرفة تضعف فرص التواصل، تتضخم الظنون والشكوك، وتصبح الصور الجاهزة أكثر حضوراً ونفوذًا من الواقع نفسه. ولهذا لا تبدو مثل هذه المناسبات ترفاً اجتماعياً أو تفصيلاً هامشياً، بل قيمة تتجاوز الترفيه وفرصة نادرة ذات معنى، لأن يرى الناس بعضهم بعيداً عن القوالب المُقَولبة التي تصنعها العناوين الحادة والخصومات السياسية.

ولا يعني ذلك التغاضي عن القلق الذي يزور مجتمعنا السويدي بين الحين والآخر، أو إنكار الهواجس والأسئلة المتعلقة بالأمن والخدمات والاندماج وسرعة التحولات الاجتماعية. فالخوف والقلق على الأوطان ليس خطيئة يُستَتاب منها أو تهمة يُعاقب عليها، والانشغال بمستقبل البلاد والأبناء ليس عيباً أخلاقياً يستوجب الاعتذار، وليس موقفاً عدائياً ليُحذر.

لكن الفرق كبير وواسع بين مواجهة المخاوف بواقعية ومصداقية ومسؤولية مشتركة، وبين تركها تكبر حتى تتحول إلى خوف متبادل يبتعد فيه الناس عن بعضهم البعض أكثر فأكثر.

السويد، مثل كثير من المجتمعات الحديثة، لا تحتاج اليوم إلى مزيد من المسافات النفسية، بقدر ما تحتاج إلى ساحات لقاء أوسع، وإلى شجاعة أخلاقية تسمح للناس بأن يروا بعضهم بعضاً، كما هم، لا كما تصنعهم الصور النمطية المُسبقة أو المواسم الانتخابية.

وربما لهذا يبدو اجتماع عيد الأضحى المُبارك مع أسبوع يارفا هذا العام أكثر من مجرد مصادفة أو تزامن بين مناسبة دينية وفعالية مجتمعية.

إنه تذكير هادئ بأن اللقاء لا يزال ممكناً، وأن الثقة، مهما أثقلتها الأسئلة والسنوات، ليست باباً مغلقاً، بل قابلة للترميم. وأن الوطن، في السويد كما في غيرها، لا يصير أكثر عدلًا ودفئاً إلا بالجميع، ومع الجميع، ومن أجل الجميع.

طاهر أبوجبل