المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في لحظة نادرة يلتقي البُعد الروحي بالبعد الوطني، إذ يحلّ عيد الأضحى المبارك، بما يحمله من قيم عظيمة للتضحية والفداء والإيثار، متزامناً مع احتفالنا باليوم الوطني في السويد، حيث تتجدد المشاعر الجمعية بالانتماء، والولاء لقيم العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
هذا التزامن ليس مجرد تقاطع زمني بين مناسبتين، بل هو فرصة ثمينة لبناء جسور التواصل والتفاهم، وتأكيد القيم المشتركة بين أبناء المجتمع بكل طوائفه، مهما اختلفت أصولهم أو معتقداتهم أو خلفياتهم.
ونحن، كمواطنين من أصول مهاجرة، وبخاصة أجيالنا التي وُلدت وتربّت في ربوع السويد ولا تعرف لها وطناً سواها، فإننا، إلى جانب أبناء الوطن من مختلف الخلفيات، نجدّد اليوم انتماءنا الواعي والفاعل لهذا الوطن الذي احتضننا وفتح لنا أبوابه، حتى غدت لنا فيه جذور وامتداد ومستقبل.
إن السويد ليست مجرد مكان للعيش أو محطة مؤقتة في طريق الحياة، بل هي وطن حقيقي نعيش فيه كما يعيش فينا؛ نتنفس هواءه، ونُسهم في أمنه وسلامه، ونشارك في بناء اقتصاده، وتشكيل مجتمعه، وصياغة مستقبله. واختلاف الأصول والمعتقدات لا يُضعف وحدتنا، بل يُثريها، ولا يهدد نسيجنا الاجتماعي، بل يقويه ويزيده مرونة وقدرة على التكيّف والإبداع.
وفي زمن تتصاعد فيه نغمة التيارات المتطرفة وخطابات الإقصاء والكراهية، ويشهد فيه العالم أزمات متلاحقة – من حرب أوكرانيا، إلى مأساة فلسطين وما يعانيه أهل غزة والضفة والقدس، إلى محاولات الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، مروراً بالتجاذبات السياسية مع اقتراب الانتخابات المحلية – فإن اجتماع عيد الأضحى مع اليوم الوطني يبعث برسالة سامية إلى جميع أطياف المجتمع.. رسالة محبة لا كراهية، وحدة لا فرقة، تعاون ينبذ كل أشكال التنازع.
رسالة تُظهر بوضوح أن المجتمع الذي يقوم على احترام الإنسان لكونه إنساناً، بغض النظر عن أصله وخلفيته، هو المجتمع الأقدر على مواجهة التحديات، واحتضان جميع الأفراد والفئات دون أن يشعر أحد بأنه غريب أو مُستثنى. رسالة تؤكد أن الاندماج والتدامج ليسا مجرد مشاعر أو شعارات، بل تفاعلات إيجابية متبادلة بين مكوّنات المجتمع.
ذروة القيم الإنسانية
وعيد الأضحى، إذ يُعلّمنا أن التضحية من أجل الآخرين هي ذروة القيم الإنسانية، فإن اليوم الوطني يُذكّرنا بأن الوطن هو البيت الكبير الذي نتقاسم فيه الآمال والمسؤوليات. وهما معاً يُعلنان أن هذه البلاد تسعنا جميعاً، وأن قوة السويد تكمن في وحدتها، وعدالتها، وتنوعها المتماسك.
إنها مناسبة جليلة نتشارك فيها الفرح، لكنها أيضاً دعوة للتفكّر والعمل الجاد؛ فرصة لأن نثبت جدارتنا كمواطنين مُتفاعلين، على تنوع أصولنا، نؤدي واجباتنا كما نطالب بحقوقنا، نُساهم معاً في بناء المجتمع، ليحصد أبناؤنا وأحفادنا وطناً يعتزّ بهم كما يعتزّون به.
فلنجعل من هذا التزامن مناسبة للتقارب، للحوار، لبناء الثقة، لتجديد العهد على أن نكون جزءاً من السويد التي نحبّها، ونؤمن بها، ونسعى لخيرها. السويد التي تسكن قلوبنا، كما نسكن نحن في قلبها.
كل عام وأنتم، وكل من يعيش على هذه الأرض الطيبة، بخير وسلام.
كل عام والسويد قوية بوحدتها، زاهية بتنوعها، مزدهرة بمشاركة جميع أبنائها.
طاهر أبو جبل