المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

نشرت مجلة Fokus السويدية مقالاً بعنوان “العراق في كأس العالم.. من الفوضى إلى مستقبل أكثر إشراقاً”، بقلم الباحث والمؤرخ كارل-ميكائيل تيغلوند. يرى الكاتب في تأهل العراق إلى كأس العالم، وفي مشاهد الفرح التي عمّت البلاد، علامة على أن العراق تجاوز سنوات الفوضى والحروب وبدأ السير نحو مستقبل أكثر استقراراً.

لا شك في أن العراق اليوم أكثر أمناً مما كان عليه خلال سنوات الحرب الطائفية أو سيطرة تنظيم داعش، ولا خلاف على أن العراقيين يستحقون الفرح والأمل. كما أن كرة القدم من المساحات النادرة التي يتجاوز فيها العراقيون انقساماتهم السياسية والطائفية والقومية.

لكن الانتقال من مشهد احتفال رياضي إلى اعتبار ذلك دليلاً على تعافي الدولة يحتاج إلى كثير من الحذر. هناك فرق بين أن يستعيد المجتمع قدرته على الحياة، وأن تستعيد الدولة قدرتها على الحكم العادل. وهناك فرق بين تراجع العنف وبين قيام مؤسسات قوية تحتكر السلاح، وتخضع للقانون، وتقدم الخدمات، وتحاسب أصحاب النفوذ.

فرحة الشعب ليست شهادة نجاح للدولة

الشعوب المنهكة تعرف كيف تنتزع لحظة فرح من قلب الأزمات. وقد احتفل العراقيون وأقاموا أعراسهم وواصلوا حياتهم خلال الحروب والحصار والتفجيرات. هذه القدرة على الحياة دليل على صلابة المجتمع، وليست بالضرورة إنجازاً للحكومة.

فالمواطن الذي يحتفل بفوز المنتخب يعود بعد ساعات إلى واقع انقطاع الكهرباء، وضعف الخدمات، والبطالة، والفساد، والمعاملات الحكومية التي قد تحتاج إلى واسطة أو نفوذ حزبي.

لذلك، فإن تحويل لحظة إنسانية جميلة إلى دليل على نجاح الدولة يخلط بين صمود الشعب وكفاءة السلطة، وبين حب الوطن والرضا عن طريقة حكمه.

نجاح اللاعبين يكشف أهمية المؤسسات

عدد من لاعبي المنتخب العراقي ولدوا أو نشأوا خارج العراق، وتلقوا تدريبهم داخل أندية وأكاديميات أوروبية وفرت لهم، منذ طفولتهم، الملاعب والمدربين والرعاية والانضباط المؤسسي. هؤلاء عراقيون، واختيارهم تمثيل العراق مصدر فخر مشروع.

لكن نجاحهم يطرح سؤالاً مهماً: هل يعكس تفوقهم نجاح المؤسسات العراقية، أم يكشف ما يستطيع الإنسان العراقي تحقيقه عندما تتوفر له مؤسسة تحمي موهبته؟

لقد ضاعت داخل العراق آلاف المواهب بسبب الإهمال، وضعف المنشآت الرياضية، وتسييس الاتحادات، وغياب التخطيط طويل الأمد. المنتخب دليل على قدرة العراقيين حين تتوفر لهم الفرص، وليس بالضرورة دليلاً على أن الدولة العراقية هي التي صنعت هذا النجاح.

العراق تحسن أمنياً.. لكنه لم يصبح دولة قانون

لا يمكن إنكار أن العراق حقق تحسناً أمنياً واضحاً. بغداد اليوم ليست بغداد السيارات المفخخة اليومية، والعراق ليس عراق الحرب الأهلية أو سيطرة داعش. هناك حياة اقتصادية وثقافية، ومشروعات إعمار، ومدن استعادت جانباً من نشاطها، ومجتمع شاب يريد أن يعيش.

لكن تعافي الدولة لا يُقاس بنتائج كرة القدم، بل بأسئلة أكثر صعوبة: هل القانون أعلى من الجميع؟ هل السلاح خاضع لقرار وطني واحد؟ هل يستطيع القضاء محاسبة أصحاب النفوذ؟ هل يحصل المواطن على حقوقه وخدماته من دون واسطة حزبية أو طائفية؟

الإجابة الصادقة هي أن هذه الشروط لم تكتمل بعد.

فإلى جانب مؤسسات الدولة، توجد قوى مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً وإعلامياً. وبعضها يرتبط بعلاقات ومرجعيات إقليمية تتجاوز حدود العراق. ولا يكفي إدراج جماعات مسلحة داخل هياكل رسمية للقول إن الدولة استعادت سيادتها. المعيار الحقيقي هو خضوع الجميع لقيادة واحدة، وقانون واحد، ومحاسبة واحدة.الدولة لا تكون مستقرة لأن شوارع العاصمة هادئة فقط، بل عندما يعرف الجميع أن السلاح لا يمنح صاحبه سلطة فوق القانون.

المحاصصة والفساد

بعد عام 2003، لم يكن التحدي إسقاط نظام سياسي فقط، بل بناء دولة جديدة. غير أن النظام الذي نشأ اعتمد بدرجة واسعة على المحاصصة الحزبية والطائفية. تحولت وزارات ومؤسسات إلى حصص بين القوى السياسية، وأصبح السؤال في كثير من الأحيان ليس: من هو الوزير وما كفاءته؟ بل: أي حزب يقف وراءه؟

وحين تتحول المؤسسة العامة إلى مجال حزبي، تصبح الوظيفة وسيلة لبناء الولاء، والعقد الحكومي مصدراً للنفوذ، والموازنة أداة لتثبيت القوة السياسية.

وهنا تظهر مفارقة العراق الكبرى: بلد غني بالنفط والموارد، لكنه يعاني ضعفاً في الخدمات، وارتفاعاً في البطالة، وهشاشة اقتصادية بسبب الاعتماد شبه الكامل على النفط. المشكلة ليست نقص المال، بل ضعف النظام القادر على تحويل الثروة إلى دولة عادلة وفاعلة.

والفساد في العراق ليس مجرد انطباع شخصي. فرغم وجود هيئات وقوانين واستراتيجيات لمكافحته، ما زال المواطن يشعر أن الوصول إلى الخدمة أو الوظيفة أو العقد الحكومي قد يتطلب علاقة سياسية أو حزبية.

لا يكفي وجود مؤسسات لمكافحة الفساد. السؤال هو: هل تستطيع هذه المؤسسات الوصول إلى مراكز النفوذ، أم تتوقف عند حدود معينة؟

عدالة لا تصل إلى الجميع

أصدر القضاء العراقي عام 2021 أمر قبض بحق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية الضربة التي أدت إلى مقتل أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني قرب مطار بغداد.

وللقضاء العراقي الحق في التحقيق في جريمة وقعت على أرض العراق. لكن المواطن يرى مفارقة واضحة بين هذا القرار الرمزي الكبير وبين البطء والغموض في ملفات داخلية مست حياته مباشرة.

من قتل الباحث هشام الهاشمي؟ من قتل المتظاهرين في احتجاجات تشرين؟ من اغتال وخطف وهدد الناشطين والصحفيين؟

هذه الأسئلة لم تحصل حتى الآن على إجابات قضائية تقنع العراقيين بأن العدالة وصلت إلى جميع المسؤولين، لا إلى منفذين صغار أو متهمين هامشيين فقط.

العدالة لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات، بل بقدرتها على تنفيذها والوصول إلى أصحاب النفوذ وحماية القضاة والمحققين عندما تقترب الملفات من القوى المسلحة والسياسية.

العراقيون أقوى من دولتهم

رغم كل الأزمات، يواصل العراقيون العمل والدراسة والإبداع وبناء حياتهم. لكن استمرار الحياة لا يثبت دائماً نجاح الدولة؛ ففي كثير من الأحيان يعني أن المجتمع يعوض غيابها أو ضعفها. وهذا هو الفرق الذي يغفله المقال المنشور في Fokus.

لقد اعتاد العراقيون صنع الحياة بين الأزمات. واليوم يحتفلون لأن كرة القدم منحتهم لحظة نادرة يشعرون فيها بأنهم شعب واحد، بعيداً عن الانقسامات التي صنعتها السياسة. هذه القدرة على الفرح انتصار للمجتمع، لكنها ليست شهادة براءة للنظام السياسي.

العراقي لا يرقص لأن الفساد انتهى، أو لأن المستشفيات والمدارس أصبحت في أفضل حال، أو لأن الدولة استعادت سيادتها الكاملة. إنه يرقص لأن نافذة صغيرة فُتحت أمامه ليهرب، ولو لساعات، من واقع ثقيل.

بين التفاؤل والتشاؤم

لن يكون منصفاً أن نستبدل الصورة المتفائلة بصورة سوداء لا ترى أي تقدم.

العراق اليوم ليس دولة منهارة، لكنه ليس دولة قانون مكتملة. فيه مجتمع حي ومبدع، تقابله مؤسسات ما زالت تعاني المحاصصة والفساد وتعدد مراكز القوة. وهذه الصورة المركبة أكثر صدقاً من التفاؤل الرومانسي ومن التشاؤم المطلق معاً.

العراق لا تنقصه الثروات أو الكفاءات أو الطاقات البشرية. لكنه يحتاج إلى أن يصبح القانون أعلى من الحزب، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمواطنة أهم من الطائفة، والكفاءة أهم من الولاء، والسلاح خاضعاً لسلطة وطنية واحدة.

يحتاج إلى كهرباء مستقرة، ومياه آمنة، ومدارس محترمة، ومستشفيات تحفظ كرامة المرضى، واقتصاد يوفر فرصاً للشباب، وقضاء يواجه صاحب النفوذ بالثبات نفسه الذي يواجه به المواطن العادي.

أما كرة القدم، فتستطيع أن تمنح العراقيين ما حرمتهم منه السياسة طويلاً: لحظة يشعرون فيها بأنهم شعب واحد. وهذا إنجاز عظيم في ذاته، ولا يحتاج إلى تحويله إلى دليل على نجاح الحكومة.

لقد تأهل المنتخب العراقي إلى كأس العالم، أما الدولة العراقية فما زالت تحاول التأهل إلى دولة القانون.

فاروق الدباغ