المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: مع إشراقة شهر ذي الحجة 1446 هـ، تطلّ علينا أيام هي من أعظم أيام السنة وأحبّها إلى الله، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام.” كلمات تنبض بروح الإيمان وتفتح لنا نافذة للتفكر في فرصة متجددة منحنا الله إياها لنعيد ترتيب أولوياتنا، ونجعل من هذا الموسم نقطة انطلاق جديدة في علاقتنا بخالقنا، وفي سلوكنا الإنساني اليومي.
إن العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد أيام عابرة، بل هي موسم عبادة وتهذيب للروح، موسم تتضاعف فيه الأجور، ويعلو فيه صوت الذكر، وتنتعش فيه القلوب بالتكبير والتسبيح. في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد ضغوطاتها، نجد في هذه الأيام محطة روحية نستعيد فيها توازننا، ونستشعر فيها معنى القرب من الله، بعيدًا عن صخب العالم المادي.
وليس غريبًا أن يُفرد الله لهذه الأيام منزلة عظيمة، فهي تقع ضمن “الأشهر الحُرم”، التي جاء ذكرها في قوله تعالى: “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا… مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ“، وهي أشهر يتضاعف فيها الأجر، ويعظُم فيها الإثم، فيتأكد فيها اجتناب الظلم، وتزكو فيها النفوس بطلب السلام الداخلي والخارجي.
ومع بداية ذي الحجة، تبرز شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، هي الأضحية، تلك السنة التي تحيي ذكرى تضحية إبراهيم الخالدة، وتعلمنا معاني الإخلاص والفداء والعطاء. وقد أكّد العلماء سنّيتها وأهميتها، حتى قال النبي ﷺ: “من كان له سعة ولم يُضحّ، فلا يقربنّ مصلانا.” إنها دعوة صريحة إلى أن لا نفوّت هذه القربة العظيمة لمن كان قادرًا، فهي ليست مجرد ذبح، بل طاعة لله وتجديد للعهد معه.
ومن السنن المهجورة التي يجدر التذكير بها في هذه الأيام المباركة، ما ورد من النهي لمن أراد أن يضحي عن أخذ شيء من شعره أو أظفاره حتى يضحي، وهو أمر فيه نوع من المشاركة الشعورية مع الحجاج، وتعبير عن التعظيم لشعائر الله، “ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.”
ولا تكتمل روعة هذه الأيام دون الحديث عن سنة التكبير، ذلك الإعلان الجماعي عن الفرح بالله، والاعتراف بعظمته. لقد كان الصحابة يخرجون إلى الأسواق يكبّرون، فيُكبّر الناس بتكبيرهم، مشهد مهيب يختلط فيه الصوت بالإيمان، فيغدو المجتمع كله مشحونًا بالروحانية والسكينة.
في هذه الأيام، نحن مدعوون ليس فقط لصيام وصلاة وذكر، بل للتأمل في معاني الرحمة، والتراحم مع الفقراء، وصلة الأرحام، وتطهير القلوب من الحسد والبغضاء. ذي الحجة فرصة، بل هبة، في زمن كثرت فيه الفتن وتاهت فيه القلوب. فلنجعل من هذه الأيام ميدانًا للعودة إلى الله، ولتكن أفعالنا فيها عنوانًا لإسلامٍ حيّ نابض بالإخلاص.
وختامًا، نسأل الله أن يبارك لنا في هذه الأيام المباركة، وأن يجعلنا من المقبولين فيها، وأن يكتب لنا مغفرة ورحمة وعتقًا من النار.
وكل عام وأنتم بخير.
سعيد عزام