المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في السويد، حيث يُفترض أن يسود القانون وتحترم كرامة الإنسان، تعيش فئة من الناس في وضع يصعب وصفه: لا يمكن ترحيلهم، ولا يُسمح لهم بالاستقرار.

إنهم الفلسطينيون عديمو الجنسية القادمون من العراق.

من هم؟

هؤلاء ليسوا مهاجرين تقليديين. إنهم أبناء قضية بدأت عام 1948، حين أُجبر آلاف الفلسطينيين على مغادرة مدنهم مثل حيفا ويافا وعكا، دون أن يُسمح لهم بالعودة، رغم ما تنص عليه المواثيق الدولية.

استقر كثير منهم في العراق، حيث عاشوا لعقود بحقوق قريبة من المواطنين، دون أن يحصلوا على الجنسية.

لكن بعد عام 2003، تغير كل شيء.
تعرضوا للاضطهاد والعنف، واتُهموا زورًا، فاضطروا إلى الهجرة من جديد… هذه المرة دون وطن يعودون إليه.

لماذا هم عديمو الجنسية؟

رغم أن السويد تعترف بفلسطين كدولة، إلا أن هذا الاعتراف يقتصر عمليًا على الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما من هُجّروا من مدن فلسطين التاريخية الواقعة اليوم تحت الاحتلال، فلا يُسمح لهم بالعودة إليها، ولا توجد دولة تتبناهم كمواطنين.

وهكذا، يجد هؤلاء أنفسهم بلا جنسية… وبلا دولة مسؤولة عنهم.

في السويد: مأزق قانوني وإنساني

تشير تقييمات مصلحة الهجرة إلى أن ترحيل هؤلاء الأشخاص إلى العراق غالبًا غير ممكن، بسبب غياب جهة تستقبلهم.

ومع ذلك، يعيش كثير منهم سنوات طويلة دون إقامة، ودون حق في العمل، ومع وصول محدود جدًا للرعاية الصحية.

بعد صدور قرار الترحيل النهائي، يفقد الشخص معظم حقوقه: لا عمل، لا دعم، ولا رعاية صحية إلا في الحالات الطارئة.

ورغم استحالة تنفيذ الترحيل، يبقى القرار قائمًا… ويستمر الانتظار.

ليست هذه أرقامًا في تقارير،
بل وجوهًا وأسماءً… وحياةً تتآكل بصمت.

نايفة، امرأة في السابعة والسبعين من عمرها،
انتهى بها المطاف مشردة في بلد يفترض أن يحمي كرامة الإنسان،
بعد سنوات طويلة من الانتظار بلا حل.

مصطفى، رجل مسن،
اقتصر علاجه على الحالات الطارئة حتى فقد ساقه،
ثم طُرد من سكن مصلحة الهجرة بعد أسبوع واحد فقط من عملية البتر،
لأن قرار ترحيله أصبح “نهائيًا”.

أحمد، أب لطفل صغير،
احتُجز رغم استحالة ترحيله،
وأُصيب بجلطة دماغية بعد أن شاهد مقطعًا لابنه يبكي شوقًا لرؤيته.
اليوم، وبعد أن خرج من الاحتجاز،
أصبح ابنه يخشى النوم…
خشية أن يستيقظ ولا يجد والده إلى جواره.

وعمر،
فقد حياته بعد أن اقتصر علاجه على التدخلات الطارئة،
لتنكشف إصابته بالسرطان في وقت متأخر… ولم يُمهل طويلًا بعدها.

وفؤاد،
لم يحصل على تصريح الإقامة إلا وهو على فراش الموت،
بعد أن أنهكه المرض لسنوات دون رعاية كافية،
ليأتي القرار… متأخرًا.

ومحمد،
لم يحتمل وقع الصدمة،
فبعد ساعات من تلقيه قرار الرفض النهائي، فارق الحياة.

أما الأطفال،
فبعضهم وُلد في السويد… بلا جنسية،
ويعيش منذ شهور في مراكز الترحيل،
ينتظر قرارات يعرف الجميع أنها لن تُنفذ.

هذه ليست حالات فردية. إنها نمط يتكرر.

تشديد القوانين… وزيادة القلق

في السابق، كان يمكن إعادة النظر في قرار الترحيل بعد سنوات. أما اليوم، فأصبح الأمر أكثر تعقيدًا، إذ يُشترط مغادرة الاتحاد الأوروبي لسنوات طويلة قبل إعادة التقديم — وهو أمر مستحيل لمن لا يملك بلدًا يذهب إليه.

وتُطرح الآن أفكار بإنشاء مراكز “عودة” خارج الاتحاد الأوروبي، ما يثير مخاوف من أن يعيش هؤلاء بقية حياتهم في حالة احتجاز دائم، دون أفق.

ليست قضية هجرة… بل قضية عدالة

السؤال هنا ليس: هل يجب على السويد استقبال الجميع؟

بل: ماذا تفعل الدولة حين يكون الترحيل مستحيلًا؟

هل يُترك الإنسان لسنوات بلا حقوق؟
بلا عمل؟ بلا علاج؟ بلا مستقبل؟

هذه ليست مسألة سياسية فقط،
بل مسألة قانون وعدالة.

حين يوجد أشخاص لا يمكن ترحيلهم،
فإن تركهم في هذا الفراغ ليس حلًا…
بل خلل في النظام.

ينص قانون الأجانب السويدي (الفصل 12، المادة 18) على إمكانية منح تصريح إقامة في حال وجود مانع دائم أو طويل الأمد لتنفيذ قرار الترحيل. ومع ذلك، يظل كثير من هؤلاء الأشخاص عالقين لسنوات دون تطبيق هذا المبدأ بشكل واضح، ما يطرح تساؤلات جدية حول التطبيق العملي للقانون.

وفي سؤاله الموجّه إلى وزير الهجرة، تناول النائب البرلماني جمال الحاج بشكل صريح أوضاع الفلسطينيين عديمي الجنسية القادمين من العراق، مسلطًا الضوء على استحالة تنفيذ قرارات ترحيلهم، وما يترتب على ذلك من تبعات إنسانية وإدارية.

كما أشار إلى أن هذه القضية لا تقتصر على المعاناة الإنسانية فحسب، بل تكشف أيضًا عن هدر في موارد الدولة، من خلال إنفاق مبالغ كبيرة على محاولات ترحيل متكررة تشمل الاحتجاز، وتذاكر السفر، وعمليات النقل بسيارات الشرطة من وإلى المطار، رغم العلم المسبق بعدم إمكانية تنفيذ هذه القرارات.

وقد جاء رد وزير الهجرة على هذا السؤال في شهر أبريل من عام 2026، حيث أكد أن القانون يتيح منح الإقامة في حال تعذر تنفيذ الترحيل، لكنه في الوقت ذاته أحال مسؤولية التطبيق إلى مصلحة الهجرة والجهات القضائية، دون تقديم حل عملي واضح لهذه الفئة.

السؤال الذي يجب أن نطرحه

إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي تشديد سياسة الهجرة وترحيل المهاجرين من السويد،
فهل من العدل أن يُحرَموا من حقهم في العيش، بينما يستحيل تنفيذ قرار ترحيلهم؟