كان حادث مرور عرضياً، لكن الخلاف على “من المخطئ” تحول إلى ما يشبه المنابزة العنصرية. بحسب الملامح كان أحد السائقين من الشرق الأوسط والآخر من أفريقيا، الغمزات واللمزات ونظرات الاستعلاء قالت الكثير. كنت شاهداً على الحادث فأدلوت برأيي حسب ما رأيت. اتهمني الشرق أوسطي بأنني أنحاز إلى الطرف الآخر فقط لأنني “أسمر”، ضحكت ساخراً، غير أن السخرية كانت تخفي ألماً عميقاً له علاقة أيضاً بكل ما يجري في الشرق الأوسط.

كيف يتحول مهاجرون في السويد إلى عنصريين ضد بعضهم؟ وكيف يصبح ضحية الأمس جلاد اليوم، يمارس أشكالاً أشد وقاحة من العنصرية التي عرفها؟ وهناك في الشرق الأوسط، حيث تغرق الجماعات بأحقاد طائفية ودينية وعرقية وطبقية وتتبادل الأدوار، ضحايا الكراهية والقتل والاستبداد يتحولون, حين تنقلب الموازين, إلى غارقين بالكراهية، محتفين بممارسات كانوا يعدّونها قبل وقت قريب جريمة غير مبررة، فيعيدون إنتاج مبررات الطرف الآخر، وأحياناً بالألفاظ نفسها، وتغرق البلاد في دوامة عنف لا ينتهي.

توالت علي الأسئلة: ما الذي يحول امرأة تعرضت طيلة حياتها للظلم بدعوى “الشرف” إلى أم تمارس الظلم نفسه على بناتها؟ وما الذي يجعل ضحايا الطائفية السابقين يتجهون إلى اليمين المتطرف في مواجهة طوائف أخرى قادمة من الشرق الأوسط.

في كتابه “معذبو الأرض” (Les Damnés de la Terre) يرصد الطبيب النفسي والفيلسوف الفرنسي فرانز فانون كيف يتحول الضحية إلى جلاد، وكيف يمكن أن يعيد المقهور إنتاج عنف المستعمر. يسميه فانون “العنف المُعاد” (violence retournée)، أي العنف الذي يُعاد توجيهه من الضحية نحو محيطه أو نحو ذاته.

كان فانون، وهو من أصل كاريبي، طبيباً في مستشفى بليدة في الجزائر إبان الثورة الجزائرية ضد بلاده فرنسا. ولاحظ أن القمع والإذلال والتمييز الذي يمارسه المستعمر القاهر يتسرب إلى أعماق نفس المقهور ثم يظهر على شكل سلوك مشابه وأحياناً أشد قسوة، ما يجعله ضحية مرتين، مرة بوقوع القهر عليه، وأخرى بوقوعه أسيراً لمنظومة الظلم نفسها. غير أن ذلك ليس قدراً، لأن حركة التاريخ تنبؤنا بتحولات عظيمة قادها أفراد وجماعات تحررت من رِبقة الظلم وكل قيمه وأساليبه، غير أن التحرر الحقيقي عند فانون يبدأ من الداخل.

ليس إسقاط الظالم عسكرياً كافياً إذا لم تُبنَ مؤسسات عادلة وديمقراطية ومتحررة فعلاً. أليس لذلك أمثلة كثيرة في شرقنا الأوسط المبتلى، من سوريا إلى العراق إلى غيرها؟ أليست ممارسات إسرائيل مثالاً صارخاً أيضاً؟ انظروا بعيون إنسانية متجردة من الانتماءات الطائفية والعرقية وسترون.

مهاجرون “كبش فداء”

المفكر الفرنسي رينيه جيرار رصد ظاهرة أسماها “كبش الفداء” (Scapegoat mechanism) وملخصها أن الجماعات تتخلص من توتراتها الداخلية عبر اختيار ضحية، يُلقى عليها اللوم وتُمارس عليها أعمال العنف لإعادة التوازن. هكذا يصبح المجتمع بأكمله جلّاداً لضحية كانت بريئة.

“المهاجرون الجدد”، “مهاجرو 2015″، يتحولون الآن إلى “كبش فداء” في بعض الأوساط السويدية والمهاجرة، يوضع عليهم اللوم في مشكلات المجتمع كاملة، حتى تلك التي تمتد جذورها عميقاً إلى سنوات طويلة مضت، كظاهرة العصابات. “كانت السويد أفضل قبل أن يأتوا”، عبارة باتت تتردد كثيراً حتى بين المهاجرين أنفسهم، وتجد تمثلاتها في الخطاب السياسي عبر ربط مشكلات الجريمة والبطالة بـ”أزمة اللجوء” واقتراح حلول تركّز على الهجرة باعتبارها حلاً لكل مشاكل البلاد.

في أوساط مشابهة يتحول “المسلمون” إلى كبش فداء. يستقطب SD أنصاراً من المهاجرين بدعوى أنه يحمي السويد منهم، مكرراً أن عداءه ليس موجهاً إلى “المندمجين” من المهاجرين، بينما يخوض قياديوه حرباً معلنة مع “القيم الإسلامية” التي يرون أنها تتعارض مع قيم السويد. غير أن اعتبار جيمي أوكيسون نفسه أن المشكلة “ثقافية” بالأساس، وأن التعدد الثقافي هو من جلب الأزمات إلى السويد، يضع المهاجرين كلهم في سلة واحدة باعتبارهم أبناء ثقافات مختلفة عن الثقافة السائدة دون أن يعني ذلك بالضرورة تناقضاً في القيم.

لدى مجتمعات مهاجرة أمراض نشأت ربما من كونهم ضحايا سابقين لدائرة العنف والقمع، ومنها العنصرية وجرائم الشرف أيضاً، غير أن بقية المجتمعات تنتج أيضاً أمراضها، ضحايا العنف الأسري على سبيل المثال ليسوا من المهاجرين فقط. والشباب الذين هاجموا عابري سبيل في ستوكهولم ورفعوا شعارات نازية لم يكونوا مهاجرين، وكل ما ينتجه اليمين المتطرف من كراهية ليس مهاجراً بطبيعة الحال.

عود على بدء

ابتمست في وجه الشرق أوسطي الذي اتهمني بالتحيز بسبب لون البشرة، وسألته بهدوء “هل أنت عنصري؟”، أجابني بغضب “إطلاقاً لقد كنت طيلة حياتي ضحية العنصرية”.

مهند أبو زيتون