المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: لم تكن المشاركة السياسية للمسلمين في السويد خياراً عابراً أو استجابة لموسم انتخابي. فمنذ عقود، انخرط مواطنون مسلمون في العمل العام، وفي الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، انطلاقاً من قناعة أساسية بأن الإسلام والمواطنة لا يتعارضان، وأن المسلم يستطيع أن يكون سويدياً كامل الحقوق والواجبات، وأن يشارك في بناء المجتمع الذي يعيش فيه.
ومن موقع من عاش جانباً من هذه التجربة، أرى أن تاريخ المشاركة السياسية للمسلمين في السويد يحتاج إلى قراءة أكثر هدوءاً وإنصافاً، بعيداً عن اختزاله في مفهوم «الصوت المسلم» أو تصوير المسلمين وكأنهم كتلة سياسية واحدة.
البدايات: البحث عن الشراكة
في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، بدأت تتبلور لدى عدد من الناشطين والمؤسسات الإسلامية رغبة واضحة في الانتقال من مجرد النشاط الديني والاجتماعي إلى المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وقبيل تأسيس المجلس الإسلامي السويدي عام 1990، كانت هناك نقاشات واسعة حول كيفية بناء جسور بين المؤسسات الإسلامية والمجتمع السياسي السويدي. وشهدت تلك المرحلة اتصالات وتعاوناً مع عدد من الأحزاب، من بينها حزب الوسط، من خلال برامج ودورات هدفت إلى تعزيز المعرفة السياسية لدى الشباب والنساء والرجال، وفهم آليات العمل الديمقراطي السويدي.
لم يكن الهدف آنذاك إنشاء «حزب إسلامي» أو نظام سياسي موازٍ، بل كان الهدف أن يصبح المسلمون جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية.
لاحقاً تطورت العلاقات مع الحركة الاشتراكية الديمقراطية، حيث وجد كثير منا تقاطعاً بين قيم العدالة الاجتماعية والمساواة والتضامن وبين المبادئ الأخلاقية التي يؤمن بها المسلمون.
لكن التجربة التاريخية نفسها أثبتت أن العلاقة بين المسلمين والأحزاب السياسية يجب أن تكون علاقة مواطنين وشركاء، لا علاقة تبعية سياسية دائمة.
بعد 11 سبتمبر: تغير المناخ
جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 لتغير بصورة عميقة صورة الإسلام والمسلمين في النقاش العام العالمي، وانعكس ذلك أيضاً على أوروبا والسويد.
أصبحت كلمات مثل «الإسلاموية» و«التطرف» و«الأمن» حاضرة بقوة في النقاش حول المسلمين، وأصبح على المؤسسات الإسلامية أن تشرح باستمرار الفرق بين الدين الإسلامي وبين الحركات المتطرفة أو الأيديولوجيات المناهضة للديمقراطية.
وفي الوقت نفسه، ظهرت داخل المجتمع المسلم مبادرات سياسية تؤكد أن الإسلام لا يتناقض مع الديمقراطية والمواطنة، وأن المسلمين جزء من النسيج السويدي.
غير أن السنوات اللاحقة شهدت أيضاً صراعات سياسية وإعلامية حول بعض المؤسسات والشخصيات المسلمة، وبدأت مشاركة المسلمين في الحياة السياسية تُقرأ أحياناً من خلال هويتهم الدينية بدلاً من النظر إليهم باعتبارهم مواطنين وأفراداً لهم مواقف سياسية مستقلة.
المسلم السياسي بين الشراكة والاشتباه
من الأمثلة التي تكشف تعقيد هذه المرحلة تجربة عمر مصطفى عام 2013، عندما انتُخب لعضوية قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ثم ترك مناصبه بعد جدل سياسي وإعلامي واسع حول نشاطه وعلاقاته في المجتمع المسلم.
كما شهدت السويد تجربة عبد الرزاق الوابري، الذي دخل البرلمان ممثلاً لحزب المحافظين، وتجربة محمد كابلان، الذي انتُخب عن حزب الخضر ثم أصبح وزيراً.
هذه التجارب مهمة ليس لأنها تثبت وجود «سياسة إسلامية موحدة»، وإنما لأنها تثبت العكس تماماً: المواطنون المسلمون شاركوا في أحزاب سياسية مختلفة، واتخذوا خيارات سياسية متعددة.
ومن الخطأ بالتالي اعتبار أي مسلم يترشح في قائمة حزبية ممثلاً تلقائياً للمسلمين جميعاً.
إنه مواطن اختار حزباً وبرنامجاً سياسياً، مثل أي مواطن آخر.
لا يوجد اليوم «اتفاق سياسي» بين المسلمين وحزب معين
ربما حان الوقت لتصحيح فكرة أصبحت تتكرر في النقاش السياسي السويدي: أن المسلمين كتلة انتخابية مرتبطة تاريخياً بحزب معين.
لا توجد اليوم اتفاقية سياسية مكتوبة تربط المسلمين في السويد بأي حزب سياسي.
كما لا توجد جهة دينية أو سياسية تملك حق إصدار تعليمات ملزمة للمسلمين حول الحزب الذي يجب أن يصوتوا له.
المسلمون مواطنون سويديون مختلفون في توجهاتهم السياسية. بينهم يساريون ويمينيون وليبراليون ومحافظون، وبينهم من يشارك بقوة في الانتخابات ومن لا يهتم بالسياسة أصلاً.
والشخص المسلم الذي يترشح على قائمة حزب سياسي لا يمثل «قراراً مسلماً جماعياً». إنه يمارس حقه الفردي في المشاركة السياسية.
هذه نقطة أساسية يجب أن يفهمها السياسيون ووسائل الإعلام على حد سواء.
لماذا يبتعد بعض المسلمين عن التصويت؟
عندما يشعر بعض المواطنين بأن هويتهم الدينية أصبحت مادة انتخابية سلبية، أو عندما يوصف المسلم الملتزم دينياً بصورة متكررة بأنه «إسلاموي» أو «متطرف»، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية.
بالطبع، يجب أن تبقى مواجهة التطرف والأفكار المناهضة للديمقراطية أمراً مشروعاً وضرورياً. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين نقد فكرة متطرفة أو تنظيم محدد وبين وضع شبهة عامة حول مجموعة دينية بأكملها.
حرية التعبير تحمي حق السياسي والصحفي والمواطن في النقد، لكنها لا تلغي المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الطريقة التي تُستخدم بها الكلمات.
فلا يمكن من جهة استخدام الإسلام والمسلمين كموضوع سلبي لحشد الأصوات، ومن جهة أخرى مطالبة المسلمين بمنح الثقة السياسية لمن يفعل ذلك.
من «الكتلة الإسلامية» إلى المواطن المستقل
بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة، أعتقد أن المسلمين في السويد تجاوزوا مرحلة البحث عن «حزب يمثلهم جميعاً».
نحن لسنا كتلة سياسية واحدة. مصالحنا متعددة، كما هي مصالح بقية المواطنين.
نهتم بالتعليم والعمل والصحة والسكن والاقتصاد والأمن والعدالة الاجتماعية، كما نهتم بحرية الدين ومكافحة التمييز وبناء مجتمع متعدد الثقافات.
ولهذا فإن المطلوب ليس توزيع «الصوت المسلم» على حزب واحد، وإنما أن يدرس كل مواطن البرامج السياسية ويختار من يراه أكثر قدرة على تمثيل قيمه ومصالحه.
وقد يختار المسلم حزباً في الانتخابات البلدية، وحزباً آخر في انتخابات المقاطعة، وحزباً ثالثاً في الانتخابات البرلمانية.
هذا ليس تناقضاً. هذا هو جوهر الديمقراطية.
شيطنة المسلمين قد تؤدي إلى النتيجة المعاكسة
هناك مفارقة سياسية ينبغي على الأحزاب أن تنتبه إليها.
إن محاولة تصوير المسلمين باعتبارهم مشكلة أو تهديداً سياسياً قد لا تؤدي إلى إبعادهم عن السياسة، بل يمكن أن تدفعهم إلى المشاركة بصورة أكبر.
فعندما يشعر المواطن أن حقوقه أو كرامته أو انتماءه موضع استهداف، يصبح التصويت بالنسبة إليه وسيلة للدفاع عن مبدأ المساواة.
ومن هنا يمكن أن تؤدي الحملات التي تستهدف المسلمين إلى زيادة مشاركة المواطنين المسلمين، ولكن ليس بالضرورة لصالح الحزب الذي يستخدم هذا الخطاب.
بل يمكن أن تدفعهم إلى التصويت بكثافة لصالح الأحزاب والمرشحين الذين يرون أنهم يدافعون عن المساواة، والعدالة الاجتماعية، وحرية الدين، والتعددية، ودولة القانون.
فلسطين ليست القضية الوحيدة
تبقى قضية فلسطين بالنسبة إلى كثير من المسلمين قضية أخلاقية وإنسانية مهمة، ولا يمكن تجاهل أثرها في الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
لكنها ليست المعيار الوحيد للاختيار السياسي.
المواطن المسلم يعيش في السويد، وأطفاله يدرسون في المدارس السويدية، ويعمل أو يدير مشروعاً، ويدفع الضرائب، ويستخدم الخدمات الصحية والاجتماعية، ويشارك في الحياة العامة.
لذلك فإن الاختيار السياسي يجب أن ينطلق من رؤية شاملة لمستقبل السويد، وليس من قضية واحدة فقط.
الدرس الذي تعلمناه
أهم درس تعلمناه خلال هذه العقود هو أن وضع كل الرهانات السياسية في سلة حزب واحد ليس استراتيجية مستدامة.
المجتمع المسلم يحتاج إلى قوة مدنية مستقلة، وإلى مؤسسات تعليمية واجتماعية وخيرية وإعلامية قوية، وإلى كوادر قادرة على الحوار مع جميع التيارات السياسية.
لا نريد أن نكون ورقة انتخابية تستدعى في موسم الانتخابات ثم يتم تجاهلها بعد انتهاء الانتخابات.
نريد أن نكون مواطنين وشركاء. والشراكة الحقيقية لا تقوم على التبعية، بل على الاحترام المتبادل.
رسالة إلى السياسيين والمسلمين
رسالتي إلى الأحزاب السياسية بسيطة: لا تطلبوا أصوات المسلمين وأنتم تستخدمون الإسلام وسيلة لتخويف بقية الناخبين.
إذا أردتم ثقة المسلمين، فخاطبوهم باعتبارهم مواطنين، واستمعوا إلى مطالبهم، واحترموا حقهم في الاختلاف، ولا تجعلوا هويتهم الدينية سبباً في الشبهة أو الإقصاء.
ورسالتي إلى المسلمين في السويد أبسط: لا تسمحوا لأحد بأن يحولكم إلى كتلة انتخابية تابعة. ولا تجعلوا خيبة الأمل سبباً للعزوف عن الديمقراطية. شاركوا، ناقشوا، انتقدوا، ترشحوا، وصوتوا وفق قناعاتكم ومصالحكم وقيمكم.
لا يوجد حزب يملك أصواتكم. ولا يوجد زعيم سياسي يملك حق الحديث باسمكم جميعاً. أنتم مواطنون أحرار.
من التحالف إلى النأي… ومن النأي إلى الاستقلال
بعد ثلاثة عقود من المشاركة والتجارب والتحالفات والخلافات، أعتقد أن المرحلة القادمة يجب ألا تكون مرحلة البحث عن «حليف سياسي دائم»، بل مرحلة الاستقلال السياسي للمواطن المسلم.
نتعاون مع من نتفق معه، ونختلف مع من نختلف معه، ونحاسب الجميع بالمعيار نفسه.
فالولاء الأول ليس لحزب سياسي. الولاء للديمقراطية، ودولة القانون، والعدالة، والمساواة، وكرامة الإنسان.
لقد احتضنت السويد أجيالاً من المسلمين الذين أصبحوا جزءاً من تاريخها ومجتمعها واقتصادها وثقافتها.
والمطلوب اليوم ليس أن يُطلب من المسلم أن يثبت أنه سويدي. المطلوب أن يُنظر إليه كما يُنظر إلى أي مواطن آخر: سويدياً في المواطنة، مسلماً في عقيدته، ومستقلاً في خياره السياسي.
وهذه، في رأيي، ليست نهاية المشاركة السياسية للمسلمين في السويد. بل هي بداية مرحلة أكثر نضجاً واستقلالاً.
محمود الدبعي