المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: لم يعد الحديث عن الفقر في السويد همساً في التقارير أو أرقاماً في الهامش. لقد خرج إلى العلن؛ في البرامج التلفزيونية، وفي تقارير المنظمات، وفي شهادات الناس أنفسهم. الحديث اليوم لم يعد عن العاطلين عن العمل، بل عن العاملين… الذين يعملون ولا يكفيهم العمل.
لكن الحقيقة الأعمق لا تبدأ من الاستوديوهات، بل من مكان أكثر صمتاً: من رفوف المتاجر. من قطعة لحم أو سمك وُضِع عليها جهاز حماية من السرقة. حين تصل الأمور إلى هنا، يجب أن نتوقف.
لأن ما يحدث ليس مجرد ارتفاع أسعار، بل تحوّل في بنية المجتمع. السويد ما زالت تُصنَّف واحدة من أغنى دول العالم، وهذا صحيح. لكن في الوقت نفسه، تشير تقديرات متعددة إلى أن ما بين 12 إلى 17 بالمئة من الأطفال يعيشون في حالة فقر نسبي، وفي بعض القياسات تقترب النسبة من 20 بالمئة. نحن لا نتحدث عن أرقام صغيرة، بل عن مئات آلاف الأطفال.
“الفقراء العاملون”
الجديد في هذه الظاهرة ليس حجمها فقط، بل طبيعتها. الفقر لم يعد مرتبطاً بالبطالة، بل انتقل إلى داخل سوق العمل نفسه. أصبح له وجه واضح: أب أو أم يعملان بدوام كامل، ومع ذلك يقفان كل شهر أمام نفس السؤال المؤلم: هل ندفع الإيجار أم نؤمّن الطعام؟
هناك أمهات لا يأكلن كي يأكل أطفالهن. هذه ليست مبالغة عاطفية، بل واقع تؤكده تقارير ميدانية. ما يحدث ليس حالة فردية، بل تحوّل بنيوي.
الأسعار ارتفعت بشكل غير مسبوق، خصوصاً المواد الغذائية. تكاليف السكن تضغط بقوة. الفوائد البنكية والتضخم استنزفا القدرة الشرائية. أما الأجور، فلم تواكب هذا الارتفاع. النتيجة ظهور فئة جديدة في المجتمع: “الفقراء العاملون”.
وفي الخلفية، يحدث شيء أكثر خطورة. الفجوة الاقتصادية تتسع. السويد لا تزال دولة غنية، لكن هذا الغنى لم يعد موزعاً كما كان. الإحساس بالأمان الاجتماعي، الذي كان أحد أعمدة هذا البلد، بدأ يتآكل بهدوء.
المفارقة ليست فقط في ما يحدث، بل في ضعف الصدى السياسي له. النقاش العام مشغول بقضايا أخرى: الأمن، الجريمة، الهجرة. وهي قضايا مهمة بلا شك، لكنها يجب ألا تحجب حقيقة أن الأساس الاجتماعي نفسه يتعرض للاهتزاز.
الفقر في السويد اليوم ليس فقراً تقليدياً صارخاً. لا نراه دائماً في الشوارع، لكنه موجود في البيوت. في الطفل الذي لا يشارك في نشاط مدرسي لأنه مكلف، في الأسرة التي تحسب كل كرون، وفي التوتر الصامت داخل المنزل.
ونراه أيضاً في المتاجر. حين تُعامل المواد الغذائية كسلع مهددة بالسرقة، فهذا لا يعني فقط ارتفاع الجريمة، بل يعني أن هناك من لم يعد قادراً على الشراء. هذه ليست المشكلة، بل عرَض من أعراضها.
السويد ليست دولة فقيرة، لكنها لم تعد أيضاً دولة يمكنها أن تتجاهل الفقر كاستثناء. السؤال الحقيقي ليس: هل المشكلة موجودة؟ بل: كم من الوقت يمكننا أن نستمر في تجاهلها؟
لأن اللحظة التي تُقفل فيها قطعة اللحم بقفل إلكتروني، لا تكون مجرد إجراء أمني… بل إعلاناً صامتاً بأن التوازن الاجتماعي بدأ يختل.
فاروق الدباغ