في أكتوبر 1943، قررت ألمانيا النازية ترحيل اليهود من الدنمارك إلى معسكرات الموت. أطلق الشعب الدنماركي بدعم من الحكومة والمقاومة السرّية حملة إنسانية جريئة لإنقاذهم. في غضون أيام، نظم المواطنون العاديون عمليات تهريب سريعة ونقلوا آلاف اليهود الدنماركيين إلى السويد عبر القوارب الصغيرة ليلاً، في واحدة من أنجح عمليات الإنقاذ الجماعي في تاريخ الهولوكوست.

يذكر العالم اليوم للشعب الدنماركي هذا الموقف باعتباره أحد أوضح الأمثلة على الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ وتقديم يد المساعدة في أحلك الظروف.

وما زال كثير من السوريين يذكرون لدول مثل السويد كيف فتحت أبوابها لاستقبالهم في 2015 حين أُغلقت في وجوههم الأبواب ولاحقهم الموت جواً وبحراً وبراً. حينها وقفت السويد في الجانب الصحيح من التاريخ، وإن كانت الحكومة الحالية تعتبر ذلك “خطأ” كلف البلاد كثيراً.

واليوم تصر الحكومة على الوقوف في الجانب الخاطئ من التاريخ عبر رفضها استقبال أطفال مصابين من غزة لعلاجهم.

ليس في ذلك إضراراً بتاريخ السويد فحسب بل منعاً ولو لإنقاذ عدد قليل من الأرواح.

14 دولة أوروبية، بينها الجارة النرويج، استجابت لنداءات الاتحاد الأوروبي وقدمت الرعاية لأكثر من 200 طفل. فيما انتقدت أصوات بارزة في القطاع الصحي السويدي عدم تجاوب الحكومة مع القضية الإنسانية، رغم تأكيد جهات طبية مثل محافظة ستوكهولم ومستشفى كارولينسكا القدرة على استيعاب هذه الحالات.

رئيسة نقابة العاملين في القطاع الصحي سينيفا ريبييرو قالت في تصريح لصحيفة DN إن “كتب التاريخ ستذكر أن السويد لم تساعد. الأمر يتعلق بالقانون الدولي وبأطفال بحاجة للرعاية الصحية. أريد أن أتمكن من القول إنني فعلت كل ما بوسعي”.

كثيرون هم السويديون الذين يقفون موقفاً أخلاقياً ويريدون أن يقولوا بالفعل إنهم فعلوا ما يستطيعون، غير أن الحكومة ما زالت في مرحلة “لا نستبعد شيئاً”. كما يقول وزير المساعدات الإنمائية بنيامين دوسا.

وزيرة الصحة أكو أنكاربيري يوهانسون ردّت على طلب المفوضية الأوروبية باستقبال الأطفال من غزة، وقالت حينها في تصريح للكومبس إن الأمر “يحتاج إلى تحليل أعمق”، قبل الإعلان عن رفض الطلب الأوروبي.

لكن إدارة الرعاية الاجتماعية كشفت بعد ذلك أنها لم تتلق أي تكليف بإجراء مثل هذا التحليل، رغم استعدادها لذلك.

إنقاذ لصورة البلاد أيضاً

ورغم أن الحكومة السويدية أصبحت في الأسابيع الأخيرة أكثر انتقاداً لإسرائيل في حربها على غزة، فإنها ما زالت مترددة حيال استقبال أطفال من القطاع، وتريد المراهنة على مساعدة مصر في علاجهم.

علاج الأطفال بالإمكانات الطبية المتطورة التي تملكها السويد لا ينقذ أرواحهم فقط، بل ينقذ صورة بلاد تتدهور إنسانياً، وقد يعيد بعضاً من شعور بات مفقوداً بالتضامن والمواساة لدى بعض مواطني هذه البلاد ممن تتألم قلوبهم لما يحدث في غزة.

هل تفعلها الحكومة وتقف هذا المرة في الجانب الصحيح من التاريخ؟

مهند أبو زيتون