ينشغل الاشتراكيون الديمقراطيون حالياً بـ”معركة” تشكيل الحكومة خصوصاً بعد أن أعلن رئيس البرلمان اليوم إعادة المهمة لمجدلينا أندرشون وسط التناقض المستمر بين اليسار والوسط، غير أن سؤالاً استراتيجياً في الخلفية لا بد أنه يشغل بال الاشتراكيين أيضاً: لماذا سجل الحزب تراجعاً تاريخياً في الانتخابات؟

تراجع الحزب من 30.3 بالمئة في 2022 إلى 28.02 بالمئة في 2026، وهي أدنى نسبة يحصل عليها الحزب في انتخابات البرلمان منذ حوالي 100 عام، متجاوزاً نسبته التاريخية الأدنى سابقاً في انتخابات 2018 حين حصل على 28.3 بالمئة.

خسر الحزب في انتخابات سبتمبر الماضي 8 مقاعد في البرلمان، وتراجع 2.3 نقطة مئوية بما يعادل حوالي 68 ألف صوت، وهو عدد أكثر من الفرق الذي رجح كفة كتلة اليسار على أحزاب تيدو.

لا يمكن معرفة حركة كل ناخب من نتائج الانتخابات نفسها، لكن استطلاع VALU الذي أجراه SVT يوم الانتخابات يقدم تقديراً لحركة الناخبين بين 2022 و2026. الاستطلاع يشير إلى أن جزءاً مهماً من التراجع حدث لصالح الأحزاب الأخرى في المعسكر الأحمر الأخضر نفسه، بالتزامن مع تقدم واضح لحزب اليسار والبيئة، حيث تقدم اليسار 1.66 بالمئة، والبيئة 1.04 بالمئة، والوسط 0.32 بالمئة.

وهذا لا يعني حسابياً أن كل هذه الزيادة جاءت من الاشتراكيين الديمقراطيين، فهناك انتقالات متبادلة بين جميع الأحزاب، إضافة إلى ناخبين جدد ومن امتنعوا عن التصويت. لكن بيانات ما قبل الانتخابات تدعم بقوة وجود انتقال من الاشتراكي إلى اليسار والبيئة، ففي استطلاع SCB في مايو 2026 كان هناك انتقال صافٍ ذي دلالة إحصائية من الاشتراكي إلى اليسار بنحو 0.7 بالمئة من مجمل الناخبين مقارنة بمايو 2025، كما أظهر القياس انتقالاً صافياً من الاشتراكي إلى البيئة بنحو 0.7 بالمئة مقارنة بانتخابات 2022.

وبحسب جدول VALU 2026 (استطلاع المراكز الانتخابية) الخاص بانتقال الناخبين، قال 73 بالمئة ممن أفادوا بأنهم صوتوا للاشتراكي في 2022 إنهم صوتوا له مجدداً في 2026. بينما انتقل نحو 27 من كل 100 إلى أحزاب أخرى.

والنقطة المهمة هنا أن خسارة S لم تتجه أساساً إلى حزب واحد. أكبر التدفقات كانت متساوية تقريباً: 5 بالمئة إلى اليسار، و5 بالمئة إلى البيئة، و5 بالمئة إلى الوسط، و5 بالمئة إلى المحافظين. ثم 4 بالمئة إلى SD.

وهذا لا يعني أن الاشتراكي خسر 27 بالمئة من إجمالي أصواته النهائية حسابياً، بل ممن صوتوا له في الانتخابات الماضية. ولا يشمل ذلك جميع تحركات الناخبين، فجدول الانتقالات مبني على سؤال المشاركين عن تصويتهم في 2022 وتصويتهم في 2026، ولا يشمل الناخبين للمرة الأولى، أو الذين لا يتذكرون تصويتهم السابق.

الخلاصة أن الاشتراكي خسر من أصوات مؤيديه السابقين لصالح أحزاب اليمين واليسار، غير أن جزءاً مهماً من هذه الخسارة ذهب إلى المعسكر الذي رشح مجدلينا أندرشون لرئاسة الحكومة، وفاز في الانتخابات.

طريقة الملاكم حين يتلقى الضربات

بعد التراجع التاريخي الأول في 2018 والتقدم الكبير لـSD بحوالي 4.7 بالمئة، ساد شعور في السويد أن المزاج السويدي العام يتجه يميناً وأن موجة الهجرة الكبيرة في 2015 دفعت سؤال الهجرة إلى مركز الاهتمام، ما دفع معظم الأحزاب إلى التشدد في سياسة الهجرة لمنافسة SD على ناخبيه الراغبين في “غلق الأبواب”. غير أن SD استمر في الصعود.

في انتخابات 2022 نجح جيمي أوكيسون في الربط بين الهجرة والجريمة وتقدم بحوالي 3 بالمئة ليصبح ثاني أكبر أحزاب السويد بـ20.5 بالمئة من الناخبين. وبدا أن توجهه يستحوذ على المزاج العام أكثر فأكثر فكان لا بد لبقية الأحزاب من التفكير بطريقة لـ”سحب البساط”.

أحزاب اليمين لجأت إلى قبول SD للمرة الأولى للاستفادة من ثقله البرلماني في الوصول إلى السلطة وبدا الجميع وكأنهم يلحقون بأفكار جيمي أوكيسون. في حين فكر الاشتراكيون على ما يبدو بحل آخر يشبه إلى حد ما طريقة الملاكم حين يتلقى الضربات. يقترب من خصمه ويمحو المسافة.

اقترب الاشتراكيون من خط SD في قضايا الهجرة والجريمة، حاولوا تقليص المسافة معه، لكن ملاكماً آخر كان يقتنص الفرصة، اليسار الذي بدا أوضح في يساريته وسط اتهامات للاشتراكيين بالاتجاه يميناً.

تذكّر هذه السياسة بما يعرف في العلوم السياسية باسم Triangulation (التثليث السياسي). فعلها كلينتون في انتخابات 1996 حين تبنى سياسات الجمهوريين في الرعاية الاجتماعية. وفعلها توني بلير في ما عرف باسم “الطريق الثالث” في بريطانيا حين أخذ حزب العمال إلى الوسط وقبل بأجزاء مهمة من اقتصاد السوق.

غير أن من المخاطر المعروفة لهذه الطريقة أن الناخب قد يوافق على القضية، لكنه يظل يفضّل الحزب الذي ارتبط بها أصلاً، بينما قد يؤدي التحول في الوقت نفسه إلى إضعاف حماس بعض الناخبين التقليديين للحزب.

غير أن تجربة الاشتراكيين الديمقراطيين الناجحة في الدنمارك كانت “ملهمة” على ما يبدو لنظرائهم في السويد. اتبع الاشتراكيون في الدنمارك بعد أزمة اللجوء في 2015 ما أسماه باحثون “اتبع سياسة اليمين تفز” وتبنوا سياسة هجرة متشددة وهي قضية كانت مرتبطة بقوة بحزب الشعب الدنماركي DF. وفي انتخابات 2019 انهار DF من 21.1 بالمئة إلى 8.7 بالمئة.

ورغم أن الاشتراكيين تراجعوا في تلك الانتخابات بشكل طفيف فإن الإحصاءات والتحليلات أظهرت أن أعداداً كبيرة من ناخبي DF انتقلت إليهم بما يعادل 3.1 من الأصوات.

ربما حاول الاشتراكيون في السويد سلك طريق مشابه، لكن المفارقة أنه ليست الهجرة وحدها هي التي جعلت ناخبي DF ينتقلون إلى الاشتراكيين. على العكس، وجدت الدراسة المنشورة في Scandinavian Political Studies أن العامل الأبرز الذي ميّز ناخبي DF الذين انتقلوا إلى الاشتراكيين كان مواقفهم من الرفاه وتقليص الفوارق الاقتصادية. وفي الخلاصة كان هؤلاء ناخبين يريدون سياسة هجرة متشددة نسبياً، لكنهم في الاقتصاد والرفاه أقرب إلى الاشتراكيين الديمقراطيين. أما ناخبو DF الذين كانت مواقفهم من الهجرة أكثر تشدداً، فكانوا أكثر ميلاً إلى البقاء مع DF.

ورغم الأصوات التي انتقلت من DF تراجع الاشتراكيون لأنهم خسروا أصواتاً لصالح أحزاب أخرى. وربما هذا ما وقع فيه اشتراكيو السويد. خسروا لصالح أحزاب على يسارهم، ولم يكسبوا أصوات SD.

في الوقت نفسه سجل SD خسارة كبيرة قدرها 3 نقاط مئوية و11 مقعداً. فهل كان الحزبان يتنافسان على قضية فقدت جزءاً من قدرتها على تحديد خيارات الناخب في 2026؟

لم تنجح سياسة “الاقتراب من اليمين” كثيراً مع الاشتراكيين الديمقراطيين في السويد، ولم تجلب لهم أصوات SDبينما كانوا يسجلون أقسى خسارة تاريخية ويفقدون جزءاً مهماً من ناخبيهم السابقين لأحزاب على يسارهم. فهل يستمرون في الاقتراب من اليمين في قضايا الهجرة والجريمة، أم يعيدون مركز الثقل إلى القضايا التي صنعت هويتهم تاريخياً: العمل والرفاه وتقليص الفوارق و”الوقوف مع الضعفاء” أياً كانوا؟

مهند أبو زيتون