المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: منذ أشهر ظهر جيمي أوكيسون أمام الكاميرات بجرح واضح فوق عينه احتاج إلى ست غرز. لم يكن قد أصيب في مشاجرة سياسية، ولم يتعرض لاعتداء في الشارع كما قد يوحي المشهد؛ فالقصة كانت أغرب من ذلك بكثير. قال أوكيسون إنه رأى في نومه رجلاً يطارده، فقرر، وهو داخل الحلم، أن يرمي نفسه في شجيرة ويختبئ منه. غير أن الشجيرة لم تكن موجودة إلا في الحلم؛ ففي غرفة النوم كان هناك أثاث ومرآة، وكانت النتيجة جرحاً حقيقياً ترك أثره على وجه زعيم سفاريا ديموكراترنا. وكان يمكن أن تبقى الحكاية مجرد واقعة طريفة في حياة سياسي، لولا أن السياسة السويدية نفسها قررت، بعد أشهر قليلة، أن تكتب لها فصلاً ثانياً أكثر إثارة للسخرية.

عشية انتخابات 2026 ذهب جيمي أوكيسون إلى رينكبي ليدلي بصوته مبكراً. لم يكن المكان عادياً بالنسبة إلى زعيم جعل الهجرة والإسلاموية وتغير هوية السويد في قلب مشروعه السياسي. وقف في الطابور، ونظر إلى الحي وإلى الناس من حوله، وقال إن هذا «لا يبدو كالسويد»، ثم أضاف بوضوح أكبر: «السويد لا ينبغي أن تبدو هكذا». وكان قبل ذلك بيوم واحد فقط قد عبّر عن قلقه من أن تصبح «الهجرة المسلمة» قوة قادرة على التأثير في نتيجة الانتخابات. وحين فُتحت الصناديق، خرج من دالارنا اسم له في هذه القصة دلالة تكاد تكون أكبر من صاحبه: محمد عبد القادر علي.

محمد في الثلاثين من عمره، جاء من الصومال وحصل على الجنسية السويدية في فبراير من هذا العام. لم يكن نجماً سياسياً ولا اسماً وضعه حزب اليسار في مقدمة قائمته؛ كان في المرتبة التاسعة، لكن 648 ناخباً وضعوا العلامة أمام اسمه، فقفز فوق مرشحين سبقوه في القائمة وأصبح عضواً منتخباً في البرلمان السويدي. وهنا تكتمل المفارقة على نحو ربما لم يكن يستطيع أفضل كتّاب السخرية السياسية اختراعه، فالحزب الذي جعل مواجهة الإسلاموية وانتقاد مظاهر الإسلام والهجرة المسلمة جزءاً مركزياً من خطابه السياسي، والذي دعا زعيمه إلى وقف بناء مساجد جديدة وإغلاق أو هدم مساجد يعتبرها حاضنة لأفكار معادية للديمقراطية، سيجد في البرلمان الجديد أمامه رجلاً يحمل اسم محمد.

وليس الاسم هنا تفصيلاً عابراً. محمد هو اسم نبي الإسلام، ومن أعز الأسماء وأكثرها حضوراً عند المسلمين، ولذلك يحمل ظهوره في هذه القصة قوة رمزية يصعب تجاهلها. فالرجل الذي حذّر عشية الانتخابات من القوة السياسية المتنامية لما سماه «الهجرة المسلمة»، والذي وقف في رينكبي يتأمل الوجوه والملابس من حوله ثم قال إن السويد لا ينبغي أن تبدو هكذا، سيعود إلى البرلمان ليجد أن محمد أصبح جزءاً من الشكل الجديد لهذه السويد. ولن يكون محمد هناك ضيفاً على جيمي، ولن يحتاج إلى موافقته، ولن يجلس في مقعد مخصص للمهاجرين أو المسلمين؛ سيدخل من أبواب البرلمان نفسها، ويخضع للنظام الداخلي نفسه، ويستطيع الوقوف على المنصة نفسها والمشاركة في اللجان والمناقشات والتصويت وفق الحقوق البرلمانية التي يحددها القانون. يستطيع جيمي أن يتحدث عن الهجرة والإسلام كما يريد، ويستطيع محمد أن يعارضه كما يريد، وحين يحين التصويت لن يسأل النظام الإلكتروني أيهما ولد في السويد وأيهما جاء من الصومال، ولا منذ متى يحمل كل منهما الجنسية. صوت لجيمي وصوت لمحمد.

وهذه ربما أقسى مفارقات الديمقراطية بالنسبة إلى أي مشروع سياسي يريد أن يرسم حدوداً ثقافية واضحة للهوية الوطنية: يستطيع أن ينتقد التغيير، لكنه لا يستطيع أن يمنع المواطن الذي أنتجه ذلك التغيير من استعمال الحقوق التي تمنحها له الديمقراطية. فمحمد الذي كان يمكن أن يكون واحداً من أولئك الذين يتحدث عنهم جيمي في خطاباته أصبح الآن واحداً ممن يستطيعون الرد عليه من المنصة نفسها. لم يعد مهاجراً يقف خارج النظام طالباً الدخول إليه، بل مواطناً اكتشف أن المواطنة لا تمنحه الحق في العيش داخل السويد فحسب، وإنما تمنحه أيضاً جزءاً من السلطة التي تقرر مستقبلها.

الامتحان الحقيقي للاندماج

وهنا يصل خطاب الاندماج السويدي إلى امتحانه الحقيقي. فالسويد أمضت عقوداً تقول للمهاجر: تعلم اللغة، اعمل، ادفع الضرائب، احترم القانون، شارك في المجتمع ولا تعش على هامشه. لكن الاندماج، إذا أخذناه بجدية، لا ينتهي عند الحصول على وظيفة أو إتقان اللغة؛ نهايته المنطقية أن يصبح المهاجر مواطناً، وأن يكتشف المواطن أن جواز سفره لا يمنحه فقط الحق في البقاء، بل يمنحه أيضاً الحق في المشاركة في تحديد شكل البلد. ولا تستطيع الديمقراطية أن تقول للمهاجر: شارك، ولكن ليس إلى درجة أن تغير النتيجة، صوّت، ولكن لا تحشد الآخرين، ادخل الأحزاب، ولكن لا تتجاوز مرشحيها بالأصوات الشخصية، كن سويدياً، ولكن لا تصبح مؤثراً أكثر مما كنا نتوقع.

ولهذا فإن الجدل الذي أحاط بمحمد عبد القادر علي بعد انتخابه يحتاج إلى الصرامة نفسها. هناك تحقيق في شبهة تأثير غير مشروع في التصويت مرتبطة بالظروف المحيطة ببعض الأصوات في دالارنا، ويجب أن يصل التحقيق إلى نهايته بلا مجاملة. فإذا ثبت شراء أصوات أو الضغط على ناخبين، فيجب أن يحاسب المسؤول أياً كان اسمه وأصله ودينه، لأن حماية نزاهة الانتخابات أهم من أي اعتبارات هوياتية. لكن دولة القانون التي تحقق في الشبهة هي نفسها دولة القانون التي تمنعنا من تحويل الشبهة إلى إدانة، والتحقيق في واقعة إلى محاكمة لجالية، والأصل الصومالي إلى قرينة. وحتى الآن لا تفيد المعلومات المنشورة بأن محمد عبد القادر علي نفسه مشتبه به في ارتكاب جريمة. وهناك فرق كبير بين السؤال المشروع: هل حدث تلاعب في بعض الأصوات؟ وبين سؤال يحمل شيئاً آخر في داخله: كيف استطاع هؤلاء أصلاً أن يحصلوا على كل هذه الأصوات؟

فالسويد لم تكتشف التنظيم الجماعي عندما بدأ الصوماليون يصوتون. العمال نظموا أنفسهم، والنقابات حشدت أعضاءها، والمزارعون دافعوا عن مصالحهم، والأحزاب تعرف جيداً قوة الأحياء والجمعيات والعائلات والشبكات الاجتماعية في تعبئة الناخبين. وإذا كان إقناع الأصدقاء والجيران بالتصويت لمرشح يسمى عملاً انتخابياً عندما يكون اسمه أندش، فلا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى «عشائرية» عندما يكون اسمه محمد. الجريمة هي شراء الصوت أو انتزاعه بالإكراه، لا أن يختار ناخب مرشحاً يعرفه أو يشترك معه في أصل أو لغة.

وربما كان أوكيسون محقاً، بطريقة لم يقصدها، عندما نظر حوله في رينكبي وشعر أنه أمام سويد مختلفة. السويد تغيرت فعلاً، لكن التغيير لا يصبح غير شرعي لمجرد أنه لا يشبه الصورة التي يحملها سياسي ما في رأسه عن بلاده. السؤال الديمقراطي ليس من يملك الصورة الأقدم للسويد، بل من يملك حق المشاركة في رسم صورتها القادمة.

وهنا يعود ذلك الحلم الغريب ليمنح المشهد الأخير شيئاً من السخرية التي يصعب تجاهلها. قبل أشهر كان جيمي يهرب في نومه من رجل مجهول، وحاول أن يرمي نفسه في شجيرة لم تكن موجودة، فاستيقظ بجرح حقيقي في وجهه. ثم ذهب إلى رينكبي ورأى سويداً لم يتعرف إليها وقال إنها لا ينبغي أن تبدو هكذا، والآن سيعود إلى البرلمان ليجد هناك محمد عبد القادر علي. هذه المرة لا يوجد رجل مجهول يطارده، ولا شجيرة يختبئ فيها، ولا حاجة إلى الاستيقاظ؛ هناك نائب منتخب اسمه محمد، يحمل الحقوق البرلمانية نفسها التي يحملها جيمي أوكيسون، ويستطيع أن يقف أمامه في القاعة نفسها ويقول له، من داخل المؤسسة السويدية نفسها، إن له تصوراً آخر للسويد.

وقد تكون تلك هي السخرية الكبرى في انتخابات 2026: الاسم الذي يختصر في المخيال الإسلامي الدين الذي ظل حاضراً في خطاب جيمي السياسي أصبح الآن مكتوباً على مقعد داخل البرلمان الذي يجلس فيه جيمي نفسه. لم يضعه هناك مسجد، ولم تضعه هناك الصومال، وإذا لم يثبت التحقيق الجاري وجود مخالفة تمس انتخابه، فإن الذي وضعه هناك هو الآلية نفسها التي لا يستطيع جيمي الاعتراض على شرعيتها من دون أن يعترض على الأساس الذي يمنحه مقعده هو أيضاً: صندوق الاقتراع السويدي.

جيمي صوّت في رينكبي، ومحمد دخل البرلمان. أما الكابوس، إن كان ثمة كابوس أصلاً، فهو أن الديمقراطية عندما تبدأ عملها لا تسأل أحداً عن الأسماء التي يحب أن يراها في القاعة.

د. العيد بوعكاز