المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: عاد الجدل في السويد حول كتاب Det här är en svensk tiger للكاتب والكوميدي آرون فلام، بعدما ذكرت Dagens ETC أن مجموعة مدارس مسيحية اشترت الكتاب لاستخدامه في تدريس التاريخ، بهدف “استكمال معارف الطلاب”. وأشارت الصحيفة إلى أن الكتاب تعرض لانتقادات من مؤرخين بسبب ما اعتبروه أخطاء واقعية وتاريخية.
القضية هنا ليست حق فلام في التعبير، فهذا حق ديمقراطي أصيل. القضية هي أن مدرسة حرة ذات بروفايل مسيحي، ممولة من أموال دافعي الضرائب، قررت استخدام مادة تاريخية مثيرة للجدل داخل الصف. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما المعايير التي تحكم المواد التي تقدم للطلاب، خصوصاً عندما تتعلق بتاريخ السويد وعلاقتها بألمانيا النازية والحرب العالمية الثانية؟
يمكن استخدام أي كتاب جدلي لتعليم نقد المصادر، بشرط أن يعرف الطالب أنه أمام أطروحة قابلة للنقد والمقارنة، لا أمام حقيقة تاريخية نهائية. أما تقديم مادة محل اعتراض أكاديمي باعتبارها وسيلة “لاستكمال المعرفة” دون توضيح الخلاف حولها، فيفتح نقاشاً عن الأمن المعرفي ومسؤولية المدرسة في حماية جودة التعليم.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: هل المعيار واحد للجميع؟
خلال السنوات الماضية أغلقت أو سُحبت تراخيص مدارس ورياض أطفال حملت بروفايلاً مسلماً، كما تعرضت مؤسسات تعليمية لتدقيق مالي وإداري وأمني شديد. ومن الضروري التأكيد أن أسباب الإغلاق لم تكن واحدة، وأن بعض الحالات استندت إلى قرارات قانونية ومخالفات أو تقييمات رسمية. لكن المشروع هو السؤال عن اتساق الرقابة: هل تطبق الصرامة نفسها على مدرسة مسيحية، ومدرسة ذات بروفايل مسلم، ومدرسة تجارية أو علمية، إذا تعلق الأمر بجودة التعليم أو سلامة المحتوى؟
والحقيقة كذلك أن مدارس حرة من بروفايلات مختلفة استحقت تدخلًا رقابياً عندما ثبت فيها قصور تعليمي أو مشكلات إدارية ومالية. الرقابة العادلة لا تعني الدفاع عن كل مدرسة أغلقت، بل تعني أن المخالفة المتشابهة تواجه بمعيار متشابه، مهما كان اسم المدرسة أو خلفيتها أو حجم الشركة المالكة لها.
تجربة مدارس السلام
وتبقى تجربة Alsalamskolan في أوربرو مثالًا يستحق الدراسة. ففي 2021 انتهى نشاط المدرسة بعدما أصبحت، وفق إدارتها، غير قادرة عملياً على الوصول إلى الخدمات المصرفية والتأمين اللازمين للاستمرار. والمدرسة بلا حساب مصرفي وبلا تأمين لا تستطيع العمل مهما كان وضعها القانوني على الورق.
ولم تكن الخسارة مجرد إغلاق مؤسسة. كانت هناك وظائف، وأسر، وطلاب، وخبرة تعليمية تراكمت عبر سنوات. ويشير من تابعوا التجربة إلى أن مدرسة السلام حققت نتائج مرتفعة في أوربرو خلال فترات مختلفة، بل ويشار إلى وجودها ضمن المدارس المتقدمة في المحافظة. وهذا أمر ينبغي التحقق منه مباشرة عبر تقارير البلدية وSkolverket: انظروا إلى النتائج، أهلية الطلاب للمرحلة الثانوية، الإنفاق على الطالب، وتكلفة رياض الأطفال التابعة لها، ثم احكموا على التجربة بالأرقام لا بالشعارات.
إذا أثبتت البيانات أن مؤسسة حققت نتائج جيدة وكفاءة في استخدام الموارد، فإن تفكيكها لا يمثل خسارة لأصحابها فقط، بل خسارة لمحضن وطني وتعليمي وريادي كان يمكن أن يواصل إعداد معلمين وأطباء ومهندسين ورواد أعمال وقادة سويديين في المستقبل.
كما لا يجوز اختزال المواطنين الذين يعتنقون الإسلام في خلفيتهم الدينية. فهم مواطنون في وطنهم السويد، يشاركون في سوق العمل والمجتمع، ويخدمون في مؤسساته، ويمكن أن يكونوا أول المستعدين للدفاع عنه مثل غيرهم. الانتماء الوطني لا يقاس بمكان الصلاة، بل بالمسؤولية تجاه الوطن واحترام القانون والمشاركة في بنائه.
وفي هذا الوقت الحساس، تحتاج السويد إلى مدرسة تعزز المواطنة الشاملة، والتنوع، واحترام الخصوصية، وبناء الجسور والمشتركات السويدية والإنسانية. المدرسة ليست مكاناً لاستيراد الصراعات أو الأجندات الخاصة، بل مكان للمعرفة والمحبة والسلام والتفكير النقدي.
ولهذا يبقى السؤال: ماذا لو كانت مدرسة ذات بروفايل مسلم هي التي اشترت كتاباً عن التاريخ السويدي ينتقد مؤرخون دقته؟ هل كان الأمر سيعامل بالهدوء نفسه؟
لا نحتاج إلى إغلاق مدارس جديدة. نحتاج إلى معيار واحد للجميع: جودة تعليم، دقة معرفية، شفافية، رقابة عادلة، واحترام متساو للطلاب والمواطنين.
الحقيقة لا دين لها، وجودة التعليم لا بروفايل لها، والقانون يفقد معناه إذا تغير معيار تطبيقه بتغير اسم المدرسة.
حسين الداودي
المدير العام السابق لمدارس السلام