المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: بالأمس، ظهرت في مقابلة مع منصة “الكومبس” الإعلامية، للحديث عن التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في بالسويد حالياً.

لطالما عُرفت السويد باحترام حقوق الإنسان وبسياساتها التقدمية، لكن على مدار العقود الماضية، تعرّض نظام الرعاية الصحية، والتأمينات الاجتماعية، وعدد كبير من الخدمات العامة الأخرى في السويد إلى تخفيضات في الميزانية. وقد أثّر هذا على مساحات اللقاء العامة الأساسية – مثل المكتبات، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع التطوعي – إضافة إلى مؤسسات رسمية مثل مصلحة التأمينات الاجتماعية، ومكتب العمل، وهيئة التقاعد السويدية.

كما أدّت فوق ذلك استراتيجيات الرقمنة إلى تقليص ساعات العمل في العديد من الخدمات أو حتى إغلاق مكاتبها الفعلية بالكامل. ومن المتوقع أن يُستخدم قريباً الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في معالجة الطلبات والقضايا، وفي تحديد الميزانيات، والمراقبة.

بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، فإن عواقب تخفيضات الميزانية والتغييرات في تقديم الخدمات تُعدّ شديدة الخطورة. فمن بين الأمثلة الأكثر خطورة هي القيود المفروضة على خدمة “المساعدة الشخصية”.
الحصول على مساعد شخصي هو خدمة تُمنح فقط للأفراد ذوي الإعاقات الشديدة، وخاصة في الحالات التي قد يؤدي فيها غياب المساعدة إلى تعريض حياة الشخص للخطر أو حدوث مضاعفات طبية خطيرة، بسبب انعدام النظافة أو صعوبات الأكل أوحتى القدرة على التنفس، بلغ عدد الأشخاص الحاصلين على مساعدة شخصية في السويد العام 2024 نحو 13343 فرداً. ويمثل هذا انخفاضاً بنسبة 25٪ منذ العام 2015، في حين يُرجّح أن عدد من يحتاجون إلى هذه الخدمة قد ازداد في الفترة نفسها بسبب شيخوخة السكان.

علاوة على ذلك، ورغم الوعود التي قدمتها الحكومة في 2024، فإن المساهمات الحكومية لتغطية تكاليف المساعدة الشخصية في ميزانية 2025 لا تغطي التكاليف الفعلية لمقدمي الخدمة، وهذا يؤدي إلى تدهور جودة الخدمات المقدّمة وتدهور ظروف العمل للمساعدين الشخصيين على حد سواء، وقد أُعرب أيضاً عن مخاوف من أنه، في ظل النفقات المتوقعة المتزايدة في مجالي الدفاع والشرطة، قد تصدر الحكومة “رسائل تخصيص ميزانية” تؤدي عملياً إلى تفسيرات أكثر تقييداً لاحتياجات الأفراد، وبالتالي إلى تقليص الدعم أكثر.

هجوم من بعض المعلقين

بعد عرض مقابلتي مع الكومبس، كنت أتوقع أن تثير النقاش العمومي، خاصة بين المتحدثين بالعربية في السويد – وربما تفتح المجال أيضاً أمام اقتراحات حول كيفية انعكاس هذا التحول المقلق. وبالفعل، أكدت العديد من التعليقات على أهمية الحديث عن هذه القضايا، وعبر أيضاً البعض عن امتنانهم للدعم الذي قدمته في السابق للمجتمع. شخصيًا تأثرت بالعديد من هذه التعليقات، وسعدت برؤية مدى تفاعل قراء الكومبس مع الموضوع.

لكن ما لم أكن مستعدة له على الإطلاق هو الهجوم الذي تلا ذلك، كتب بعض المعلقين أنه “يجب أن أعود إلى بلدي” إذا لم تعجبني السويد. سخر آخرون من مظهري ولون شعري. وكتب أحدهم أنني لو كنت في بلدي الأصلي، لكنت أتسول في الشوارع، وأن السويد منحتني حقوقاً لم أكن لأحلم بها كشخص لديه اعاقة.

ما آلمني لم تكن الإهانات بحد ذاتها، بل طريقة التفكير الكامنة وراءها، عدم القدرة على رؤية أنني لا أتحدث باسمي، بل باسمنا جميعاً – سواء كنا من مواليد السويد أو من المهاجرين، قضية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليست شكوى شخصية، بل مسؤولية جماعية.

يبدو أن أولئك الذين تركوا تعليقات كراهية لم يتمكنوا من تخيل أن يكونوا هم أنفسهم، أو أحد أحبّائهم، في يومٍ من الأيام في نفس الظروف التي أحاول تحسينها، الإعاقة لا تسأل عن الجوازات. لا تطلب إذناً. يمكن أن تصيب أي شخص، في أي وقت.

وأنا أؤمن بشدة أن الأشخاص ذوي الإعاقة – في السويد أو في أي بلد آخر – هم بمثابة “طائر الكناري في منجم الفحم”، وإن تجاهل أصواتنا يضع المجتمع بأكمله في خطر كبير.

تراجع حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليس مجرد “قضية إعاقة “، إنه بداية انحدار أوسع في حقوق الإنسان والمساواة للجميع، عندما تبدأ المجتمعات في المساومة على كرامة ومساواة أضعف أفرادها، فهذه ليست “حالة خاصة”، بل بداية نهاية العدالة والإنسانية كقيم اجتماعية مشتركة.

ما نشهده اليوم في السويد – من تقليص الدعم، وصعوبة متزايدة في الوصول إلى الخدمات، والتعامل مع الإعاقة كعبء إداري أو مالي بدل كونها جزءاً طبيعياً من التنوع الإنساني – ليس مجرد إصلاح إداري.
إنه جرس إنذار. إن لم نتحرك الآن، فلن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة وحدهم من يعانون.

الجميع خاسر في مجتمع لا يحمي أفراده بشكل متساوٍ، لأن الكرامة ليست شيئاً يمكن تطبيقه بشكل انتقائي.
إما أن تُحمى الحقوق للجميع، أو تبدأ بالتلاشي من الجميع، النضال من أجل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليس شكوى، بل هو تمسّك برؤية لمجتمع يفسح المجال للجميع دون استثناء، للعيش بكرامة واندماج واحترام، وهذا النضال ليس من أجلي فقط، بل من أجلك، ومن أجلنا جميعاً، ومن أجل هذا القارب الذي نسكن فيه.

جافيا علي