المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

لم يحدث تاريخياً أن سحبت السويد الجنسية من أحد مواطنيها كعقاب على أي جريمة، ولا تملك السلطات السويدية لحد الآن أية آلية قانونية لسحب الجنسية السويدية ضمن قانون العقوبات على جرائم تُرتكب بعد التجنيس. النص الدستوري واضح، ويقول: إن أيّ مواطن سويدي مقيم في السويد أو كان مقيمًا فيها سابقًا لا يجوز حرمانه من جنسيته.

الآن تحاول الحكومة الحالية التي قدّمت تنازلات على شكل وعود لحزب SD أن تسحب هذه الميزة، ميزة شعور المواطن السويدي بالأمان الأخير من خلال حمله لجواز سفر وجنسية يشكّلان عقد مواطنة قويًا بينه وبين الدولة.

صحيح أن الموضوع سيبدأ بسحب الجنسية السويدية من المجرمين الخطرين الذين يحملون جنسية مزدوجة، وصحيح أن الحجة هي وضع إطار سياسة أمنية مشددة تضع “أمن السويديين في المقام الأول” حسب تصريح لرئيس الوزراء أولف كريسترشون، لكن الصحيح أيضًا أن لا أحد يعرف ما هو هذا الإطار، ولا أحد يضمن أن قانون سحب الجنسية لن يتحول إلى غطاء قانوني لحرمان الناس من جنسياتهم حسب تفسيرات مختلفة لبنود هذا القانون. أي أن الخطورة في الموضوع هنا هي إزالة تحريم سحب الجنسية وفتح المجال للتأويلات القانونية التي يمكن أن تجعل سحب الجنسية أمرًا سهلاً وبدون عوائق.

شعور الناس بأن جنسيتهم مهددة هو عامل آخر يُضاف إلى الشعور بعدم الأمان الذي بات يشعر به بعض المواطنين من أصول مهاجرة، وهذا يؤثر على خطط اندماجهم وعلى رغبتهم في البقاء بدولة تحتاج أصلًا إلى المزيد من القوى البشرية والعاملة.

صحيح أن الدولة لا تحتاج إلى مجرمين وعاطلين عن العمل، ولكن أين توجد مدينة فاضلة بدون مشاكل وبدون جرائم؟ ولماذا سيُعاقَب فقط “المجرم” من أصول أجنبية بهذه الطريقة البعيدة عن الإنسانية، بينما يكون عقاب “المجرم” غير المُجنَّس عقابًا من نوع آخر؟

الحكومة نفسها تقول صراحة إن السويد “على عكس دول كثيرة” لا تستطيع اليوم سحب الجنسية حتى لو مُنحت على أسس خاطئة أو بعد إدانة بجرائم خطيرة، فيما نشر رئيس الوزراء كريسترشون منشورًا على وسائل التواصل أكثر صراحة، قال فيه إن القوانين الحالية لا تسمح بسحب الجنسية حتى في حال الحصول عليها بطرق احتيالية أو ارتكاب جرائم خطيرة، وهو ما وصفه بأنه “أمر غير معقول”، مبينًا أن أرقام الشرطة تشير إلى أن 1400 شخص ينشطون في شبكات الجريمة المنظمة ويحملون جنسية مزدوجة، ما اعتبره رئيس الحكومة سببًا كافيًا لتشديد القوانين.

وبصراحة أكثر أضاف: ليست مهمة الدولة السويدية حماية هؤلاء، بل حماية أمن الشعب. هذه الصراحة تُبين أن الهدف هو إرضاء سياسة حزب SD الداعم للحكومة، وليس حل مشكلة التورط بالجرائم أو معاقبة الناس بأثر رجعي لأنهم حصلوا على جنسياتهم على أسس خاطئة.

كما هو معروف، تحتاج السويد لموافقة برلمانية من دورتين لتغيير الدستور، وهذا بدوره يتطلب موافقة من عدة أحزاب تشكل أغلبية لا تملكها الآن الحكومة الحالية. ولكن، وعلى الرغم من رفض أحزاب اليسار والبيئة والوسط لهذه التغييرات، إلا أن لا أحد يضمن استمرار معارضتهم أو معارضة حزب الاشتراكيين الديمقراطيين الذين رفضوا المقترح أيضًا في البداية، ولكن “يبدو الآن أن مواقفهم متقلبة بشأن كل هذه القضايا”، بحسب تعبير كريسترشون نفسه.

ما تقوم به الحكومة الحالية هو تكريس كارثي لمبدأ “نحن وهم”، ولا يمت بصلة للمبادئ والقيم التي بُنيت السويد على أساسها. لذلك، لا تعبثوا بالجنسية السويدية… آخر خط أمان يحتمي به الناس في السويد.

محمود آغا