يأتي كثير من المهاجرين إلى السويد بحثاً عن وطن حقيقي. وطن بكل ما يعنيه من الانتماء، بعد أن تكسرت انتماءاتهم لأوطانهم الأصلية بسبب الحروب، أو الاضطهاد. الحرية والمساواة المتخيلين يشعلان في المرء جذوة الانتماء للمكان.

يحمل كثير من المهاجرين ذكريات دافئة عن معلمات دروس SFI. تلك الابتسامة المطمئنة التي تقول صباح كل يوم، أهلاً بكم في بلدكم الجديد.

يخفت الشعور شيئاً فشيئاً. فشل الاندماج يسيطر على النقاش، يتم تحميل المهاجر الأوزار كلها وهو القادم من مجتمعات مدمرة إلى مجتمعات متطورة كان يفترض أن تعرف كيف تدمجه بالمجتمع. يشعر المهاجر أنه تحول إلى موضوع النقاش الأهم في السويد. تارة يجب ترحيله وأخرى ينبغي ضبطه أو حماية السويد من ثقافته. بل يذهب رئيس الحكومة أولف كريسترشون أبعد من ذلك حين يتهم ضمناً مهاجرين بأن جنسيتهم السويدية عبارة عن جواز سفر فقط. مجرد جواز سفر، لا شعور بالانتماء ولا إحساس بالمواطنة. يجرد المهاجر عموماً من حقه الطبيعي في حب المكان والتفاعل معه، ويُنظر إليه باعتباره مشكلة ليوضع في سلة واحدة مع مجرمي العصابات، “هؤلاء جلبوا الخراب للسويد”.

العم مأمون قال في استطلاع للكومبس إنه يحب سوريا وطنه الذي لم يختره كأمه، ويحب السويد كزوجته التي اختارها. كلمات قد تحل الاشتباك المعقد بين الوطن الأم والوطن الجديد.

كثيرون من يحبون السويد حقاً، بل إنهم مستعدون للدفاع عنها بأجسادهم. استطلاع مؤسسة يارفا الأخير يظهر ذلك بوضوح. 56 بالمئة من المولودين خارج أوروبا مستعدون للدفاع عن السويد في حال الحرب، مقابل 48 بالمئة بين المولودين في السويد.

وفي استطلاع أجراه مركز ديموسكوب لصالح الكومبس العام 2024 قال 65 بالمئة من الناطقين بالعربية إنهم مستعدون للمشاركة في الدفاع عن السويد عسكرياً.

لذلك أسبابه النفسية والاجتماعية المرتبطة أحياناً بثقافة “التضحية”، أو كما يقول مؤسس مؤسسة يارفا أحمد عبد الرحمن أسباب مرتبطة بما عاناه هؤلاء في بلدانهم الأم.

فهل يخجل كريسترشون الآن بعد أن أظهرت الأرقام خطأ نظريته؟

الاستطلاع نفسه أظهر تناقضاً غريباً. أبناء المهاجرين المولودون في السويد أقل استعداداً للدفاع عنها من آبائهم. النسبة لديهم بلغت 41 بالمئة، ألا يطرح ذلك سؤالاً جدياً على المجتمع السويدي أن يفكر فيه بعمق؟ لماذا نخسر حماسة المهاجرين وشعورهم بأنهم جزء حقيقي من هذا البلد؟

ما أصعب العيش في بلاد تكرهها!

في استطلاع ميداني عشوائي أجرته الكومبس، قالت إحدى السيدات “أنا وأولادي مستعدون للدفاع عن السويد حتى إن لم يدافع عنها سكانها الأصليون”. لقد منحتهم السويد ما لم تمنحه لهم أوطانهم. فلماذا تستغربون عليهم الشعور بالانتماء؟

بعد استطلاع الكومبس، سألتني زوجتي: هل أنت مستعد لحمل السلاح من أجل السويد؟ قلت: لست مستعداً لحمل السلاح في كل الأحوال، لكني أشعر بأن هذا الوطن الحلم يستحق الدفاع عنه بما هو أهم من السلاح، الدفاع عن قيمه في المساواة والحرية والعدالة ومساعدة الضعيف، القيم التي يهددها الخطاب السياسي لكنها ما زالت متأصلة في المجتمع. ليس في ذلك إنشاء وطني وقد أشبعتنا الخطب السياسية في أوطاننا الأم إنشاء، بل واقعاً نريد لأبنائنا أن يعيشوه.

على الجهة المقابلة، هناك من المهاجرين من يستكثر الشعور بحب السويد. سرعان ما تهب التعليقات المنتقدة لكل من يقول إنه يحب البلاد ومستعد للدفاع عنها. أصوات هؤلاء عالية وإن كانوا قلة. صحيح أن الحب والكره في بلاد يحكمها القانون قد لا يعنيان في الواقع العملي شيئاً، ولكن ما أصعب العيش في بلاد تكرهها! وما أصعبه أيضاً في بلاد تحبها لكنها تكرهك! لقد جربنا الثانية فلماذا نفرض على أنفسنا الأولى قسراً؟

معظم المهاجرين يحبون هذه البلاد ومستعدون للدفاع عنها، كل بعمله وإمكاناته، لذلك أضم صوتي للكاتبة سوزانا شيركيغارد وأطالب كريسترشون بالاعتذار.

مهند أبو زيتون