Lazyload image ...
4.6K View

رأي: لا زلت أذكر ذلك الموظف الحكومي اللطيف الذي اقترب مني أمام باب دائرة التأمينات والضرائب، كان يبتسم بحكم العادة، ولكن ابتسامته اتسعت ما أن بدأت أتحدث إليه بطلاقة مستخدماً لغتي الإنكليزية التي اكتسبتها خلال سنين عملي في الخليج ، يومها شعرت بإنسانيتي وكرامتي التي كانت مهدورة في طول الوطن العربي وعرضه.

تكررت تلك التجارب معي كثيراً، وبدأ يتحوّل الاعجاب بالسويد إلى انبهار أعمى قبل أن أرتطم بصخرة العنصرية المختبئة تحت الابتسامات الخادعة.

دخلت مدرسة اللغة وبدأت أرطن بلغة سويدية ركيكة كما ينبغي لأي قادم جديد أن يفعل كي يكتسب اللغة الجديدة، الابتسامة بدأت تغيب ويحل محلّها نظرات غريبة فما ألبث أن أعود لأتكلم الإنكليزية فتعود الابتسامة ويعود الاحترام.

تعرضت لموقفين أبدى فيهما الأشخاص استغرابهم منّي بشكل مباشر، في إحدى المستشفيات الحكومية لم يستطع الممرض كتم استغرابه من لغتي الإنكليزية فقال لي بشكل مباشر “عفوا، كيف تتكلم الإنكليزية؟” قلت له ببساطة ” تعلمتها” فابتسم وانصرف.

موظفة شركة السكن أيضاً لم تستطع إلا أن تسألني “غريب أنك تتكلم الإنكليزية، عادة القادمون الجدد لا يفعلون”.

وهكذا رحت أدرس اللغة السويدية في مدرسة اللغة وأستخدم الإنكليزية في الشارع، ففي النهاية هي اللغة التي تعطيني الاحترام الذي استحقه.

كأي منبهر رحت أبحث عن مبررات لتلك التصرفات، وتابعت طريقي مؤمنا بإنسانية السويد وعدالة قوانينها وسعة صدر شعبها الطيب.

بدأت لغتي تتحسن وحان وقت الحصول على عمل فبدأت أطرق الأبواب و”النوافذ” بحثاً عن عمل إلى أن وقعت عيني على وظيفة يمكن أن يقال عنها بأنها “حفر وتنزيل” وكأنّها فصلت على مقاسي تماماً، الوظيفة هي “مدير منتج” في الشركة العالمية التي كنت أعمل لديها في الخليج، لدي خبرة 13 سنة في منتجاتها وتلقيت تدريباً متميزاً في مصانعها في ألمانيا، ثم رحت أدعّم ملفي فاتصلت بمدراءي السابقين في أوروبا فحصلت منهم على تزكيات رفيعة، وهكذا كان لدي الخبرة والمراجع والمؤهلات الكافية، ثم شفعت ذلك كله بدعم مكتب العمل لوظيفتي الأولى Nystartsjobb.. ورحت أنتظر وظيفة الأحلام.

مديري السابق الذي يعيش في بريطانيا قال لي “هذه الوظيفة لك، لابد قريباً سيدعونك إلى مقابلة عمل” وراح يذكرني ببعض المعلومات التقنية التي يمكن أن يتم طرحها عليّ خلال المقابلة.

لكن المفاجأة أن الشركة لم تتصل بي لمقابلة العمل، بل لم تخبرني بأنها الوظيفة ذهبت إلى شخص آخر حتى أرسلت أنا لهم أسأل عن سبب التأخير. قد تكون الشركة قد تحصّلت على من هو أكفأ منّي وأعلى منّي خبرة، لكن أن يتم رفض ملفي دون مقابلة عمل فهذا ما لم أجد له تفسيراً سوى تلك العنصرية المستترة.

قد يكون التنميط مهارة تطورية اكتسبها الإنسان الأول حين كان يعيش في الغابات، يلتقط الثمار ويخاف من كل جديد يحمل تهديداً لحياته، وجميعنا في النهاية نقع في هذا الشرك، لكّن على الإنسان المتحضّر أن يترك أخلاق الإنسان الأول وألّا يصدر أحكاماً نهائية على الآخر بسبب عرقه أو لونه أو دينه.

إيماني بالسويد قد يكون قد اهتز قليلاً، نعم إن العنصرية المستترة أبعدتني عن العاملين الأهمين في الاندماج “اللغة والعمل”.

 ولكنّ دولة تسمح بالنقد العلني في منابر الإعلام والسياسة لابد في النهاية أن تشفى من أمراضها الاجتماعية، ولأجل هذا الأمل أكتب هذا المقال.

أنور السباعي كاتب وروائي سوري – عضو اتحاد الكتاب السويديين