يقول أحد المنتقدين بمرارة: السياسيون هنا يعتبرون كل ما يتعلق باللاجئين مجرد مادة انتخابية، فهم يتحدثون عنا، في مواضيع الهجرة والاندماج وحتى في جرائم العصابات وارتفاع مستويات البطالة، لكن قليلاً منهم يحاول الحديث معنا، عن مشاكلنا وتحدياتنا أو حتى عن إنجازاتنا ومساهماتنا.

ويضيف المنتقد: الآن، ونحن في خضم موسم الانتخابات، نشاهد كيف يشتد الحديث عنا، إما كمادة في الوعود الانتخابية للمساهمة في زيادة الشعبية، أو كمادة للتحريض وتسجيل النقاط على الخصوم السياسيين.

عند التوقف أمام هذا الانتقاد، نجد أنه يعكس واقعاً قائماً، فنحن نعيش في مجتمع تطغى عليه المادية وقد لا يهتم كثيراً بالعواطف، والواقع يقول إن الحديث يصبح مجدياً مع من له ثقل أو تأثير.

لذلك، لا يوجه السياسيون في السويد حديثهم أو جزءاً من وعودهم الانتخابية لمن يفتقد الوزن أو التأثير في المعادلات الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر.

صحيح أن المعنيين بالخطاب السياسي هم الكتلة المؤثرة دائماً، لكن، حسب ما أذكر، كانت الأحزاب من اليمين واليسار تبذل جهوداً في جذب فئات سكانية بشكل خاص.

وكان جزءاً كبيراً من هذه الجهود يتجه نحو المساجد والجمعيات الإسلامية، كما يتوجه أيضاً نحو الكنائس والجمعيات المسيحية التي تضم أغلبية مهاجرة.

الآن نلاحظ أن هذا التوجه قد ضعف كثيراً، وأحد الأسباب، برأيي، تأثير قوة اليمين المتطرف على المجتمع، خصوصاً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا التأثير خلق نوعاً من الخوف والحذر لدى الأحزاب من تهم جاهزة تطلقها أبواق اليمين القوية على منصات مثل “إكس” وغيرها، مثل التعاون مع “الإسلاميين” ومع “المتطرفين” والرضوخ لهم.

كما أن مكبرات الصوت والصورة التي سُلّطت على حزب اليسار تحديداً، بسبب تعاطفه الواضح مع القضايا المرتبطة بفلسطين، استطاعت إيجاد أخطاء كان جديراً بالحزب الانتباه لها، ما زاد مستوى الحذر عند أحزاب أخرى.

إذاً، موضوع تنامي تأثير اليمين المتطرف في تعبئة الرأي العام هو سبب موضوعي لعدم جرأة السياسيين على الحديث مع مجموعة من سكان السويد، تشكل مادة رئيسية في الدعاية الحزبية لهذا اليمين.

هذه المجموعة، التي يصورها الخطاب اليميني المتطرف “خطراً” على نقاء ثقافة السويديين وعلى ديمقراطيتهم وحتى على وجودهم، هي بالأصل مجموعة غير متجانسة فيما بينها، إذ توجد فروقات كبيرة بين أتباع أي دين أو قومية أو طائفة. ولكن هناك مشتركات عديدة بينهم، من أهمها أنهم جميعاً مستهدفون من قبل خطاب العداء والكراهية الذي يتبناه اليمين المتطرف.

دافعوا عن مجدلينا ولم يدافعوا عن أنفسهم

السبب الثاني والأهم لعدم حديث السياسيين “معنا”، يتعلق بخمول وعدم فاعلية الجهات والجمعيات والتجمعات التي تمثل هذه المجموعة.

عندما هبّ السياسيون من مختلف الأحزاب، ومعهم المحللون والكتّاب، للدفاع عن رئيسة الاشتراكيين مجدلينا أندرشون في مواجهة الإهانة التي وجّهها لها القيادي في SD، ريكارد يومسهوف، بعد أن وصفها بأنها “كويزلينغ”، لم نجد أحداً يطالب هذا القيادي بتوضيح من يقصده بـ”الإسلاميين” الذين وضعهم في مقارنة مع النازيين، خصوصاً أن يومسهوف تعمد في مرات عدة عدم التفريق بين “الإسلامي” و”المسلم المتدين”.

والأمرّ من ذلك، أننا وجدنا شخصيات محسوبة على مؤسسات إسلامية تشارك في الدفاع عن مجدلينا، لكن بدت وكأنها تخاف أن تدافع عن نفسها.

في المقابل، نجد أعداداً كبيرة من المعلقين يلجؤون إلى لعب دور الضحية في مثل هذه المواقف، ويمارسون احتجاجات عشوائية غير منظمة من دون تأثير. بينما هم أنفسهم لا يشاركون في أي احتجاج ديمقراطي منظم، إما بسبب الخوف، غير المبرر طبعاً، أو بسبب قلة الوعي بأهمية الاحتجاجات الديمقراطية المنظمة.

قد يتعاطف المجتمع السويدي مع الضحية مؤقتاً، لكن التعاطف وحده لا يكفي لتحويل القضية العادلة إلى موقف سياسي مؤثر.

كنا ولا نزال نقول، السويد بلد إنساني نعم، لكنه مجتمع غير عاطفي، لا يتأثر إلا بقوى الضغط الديمقراطية المنظمة، لأن مكان وتأثير الضعفاء محدودان، والمكان فقط للقوي بحجته وشجاعة رأيه وعدالة قضيته، والأهم من كل ذلك بوعيه بحقوقه وواجباته ضمن مفهوم المواطنة.

إذاً، حاول أيها المنتقد أن تسأل نفسك: هل تشجع أبناءك والمحيطين بك على الانخراط في الأحزاب السويدية أو المنظمات المدنية؟

هل تشارك أو تشجع على الانضمام إلى جمعية أو إلى عمل مجتمعي يخدم فكرة نبيلة؟

هل تشارك في مظاهرات أو مسيرات مرخصة من أجل موضوع تؤمن به؟

هل تتابع ما يحدث حولك من مستجدات وأخبار وتشارك برأيك فيها؟

عندها قد تجد الجواب عن سؤالك: لماذا لا يتحدث السياسيون “معنا”، وليس فقط “عنا”؟

محمود آغا