المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: تعيد الكومبس نشر مقال للزميل إدغار مانهايمر نُشرته مؤخراً صحيفة إكسبريسن السويدية. وفي ما يلي نصه:

أتذكر الشجار بيني وبين زميلي ماهر في العاصمة الأردنية عمّان حيث كنت أدرس في المرحلة الثانوية. كان ماهر أكبر مني بسنتين، لكننا كنا ندرس نفس مادة الرسم، ليس لأن أحدنا كان شغوفاً بالفن، بل لأنها كانت طريقة سهلة لجمع درجات.
قلت له بثقة المراهق:
– لو رأيتُ الملكة إليزابيث تسير في شوارع لندن مع حاشيتها، يمكنني أن أذهب إليها مباشرة وأشير لها بإصبعي الوسطى.
فرد بدهشة:
– ماذا؟
– ولن يحدث لي شيء. هذه هي حرية التعبير، قلتها بثقة وأنا في السادسة عشرة من عمري.
نظر إلي ماهر بتركيز، وانحنى قليلًا ليقابل نظري، وابتسم بسخرية:
– ماشي، إدغار، طيب.

توفي ماهر بعد ذلك بأشهر قليلة في حادث سيارة مروع مع اثنين آخرين من مدرستنا وطالبين من مدرسة أخرى. آمل أن يرقدوا بسلام.

حوار الحرية والواقع

كانت شكوك ماهر حول تفسيراتي المتفائلة للحريات الغربية تلاحقني طوال نشأتي في الشرق الأوسط. رغم أننا كنا ندرس في مدرسة أمريكية خاصة وبلغتنا الإنجليزية، ورغم أن ماهر لو عاش كان سيكمل دراسته غالباً في جامعة مرموقة في الولايات المتحدة مثل كولومبيا،فإن رؤيتنا للحريات التي تُؤخذ كأمر مسلم به في الغرب كانت مختلفة تماماً.

كشاب متحمس، لم تكن لدي أوهام حول الدور الذي لعبه الغرب في العالم الثالث. قرأت عن اغتيال باتريس لومومبا (أحد قادة حركة التحرر في الكونغو البلجيكية)، والاضطهاد الاستعماري للفلسطينيين (السبب في وجود عائلة ماهر في الأردن وليس في فلسطين)، والانقلابات في أمريكا اللاتينية، وحرب العراق التي كانت ما زالت مشتعلة العام 2009. بل وتم توبيخي من قبل مديرنا الكندي الصارم ستيفن مانكوسو (كنا نسميه “مانكوسوليني”) لأنني ارتديت قميصاً عليه صورة جورج بوش وعبارة “إرهابي دولي”.

لكن، عندما يتعلق الأمر بنوعية حياة المواطنين في الدول الغربية الليبرالية مقابل المواطنين الأردنيين تحت حكم ملكي سلطوي، كنت أعتقد بأنني أعلم الفرق. تلك النظرة الساخرة من ماهر عندما قلت إن الأوروبيين يمكنهم إهانة أصحاب السلطة دون عقاب أصبحت الآن نبوءة تحققت.

تراجع الحريات في الغرب

في مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث في أكسفورد، صرخ رجل من الجمهور قائلاً “من انتخبه؟”، لكن على عكس ما تخيلت، تم القبض عليه فوراً ووُجهت له تهمة “سلوك مهدد ومهين”، واستمر الإجراء القضائي ثلاث سنوات قبل أن يسقط.

أما في السويد، فقد يصبح من غير القانوني قريباً أن تقول ”polis, polis, potatisgris”، وهي جملة كنت أظن أنها مقبولة دائماً حين نشأت في بلدان سلطوية عربية.

في أمريكا تحت حكم ترامب، تدهورت حرية التعبير بشكل أخطر. نشاهد اليوم كيف تقوم شرطة الهجرة ICE باعتقال ناشطين فلسطينيين بهدف ترحيلهم. أشهرهم محمود خليل، طالب بجامعة كولومبيا وناشط فلسطيني، تم اعتقاله في مارس أمام زوجته الحامل، وهو محتجز منذ ذلك الحين في لويزيانا. رغم أنه حاصل على إقامة دائمة (Green Card)، تم رفض طلبه للإفراج المؤقت، وولد ابنه في نيويورك دون أن يُسمح له بمغادرة السجن.

العودة إلى السويد وأسئلة قديمة

كنت أقضي صيفي دائماً في السويد خلال طفولتي، وأتذكر الأشجار الخضراء، الحفلات، والحرية. كان الأقارب يسألونني كيف هي الأوضاع هناك، عن النساء، عن القمع السياسي، عن حقوق المثليين، وبالطبع، عن حرية التعبير.

أتذكر سؤالاً عن “الربيع العربي”، حين ثار ملايين العرب ضد الأنظمة الاستبدادية واحتلوا الساحات والشوارع (وألهموا حركة “احتلوا وول ستريت” في أمريكا).
سألني أحد الصحفيين السويديين:
– هل هم مستعدون فعلاً للديمقراطية هناك؟

الربيع العربي فشل فشلاً ذريعاً. في أفضل الأحوال، عادت الأنظمة الاستبدادية (مثل مصر)، وفي أسوأها، أصبحت الدول ساحات لحروب بالوكالة (مثل سوريا). وأدى ذلك إلى موجات هجرة ضخمة إلى أوروبا. أزمة اللاجئين العام 2015 أدت إلى صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة، والتي غالباً ما تكون معادية للديمقراطية، وفي بعض الحالات استولت على الحكم.

صديقتي المصرية ريما كانت ناشطة في الثورة المصرية، وتعيش الآن في المنفى في برلين. منذ 7 أكتوبر 2023، شاهدت الشرطة الألمانية تعتقل يهوداً يعارضون الإبادة، وتضايق الناشطين العرب، وتخطط الآن لترحيل ناشطي فلسطين. تستخلص ريما استنتاجاً واضحاً وإن كان محزنًا: لقد رأيت هذا من قبل.

إدغار مانهايمر

المقال نشر في صحيفة إكسبريسن أولاً في الأول من يونيو