المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: لماذا يحتاج الخطاب الإسلامي في السويد إلى مرحلة جديدة؟ بين ترسيخ الهوية وبناء الثقة المجتمعية

ليست الدعوة إلى مراجعة الخطاب الإسلامي دعوة إلى مراجعة الدين، كما أنها ليست استجابة لضغوط الواقع أو تنازلًا عن الثوابت. بل هي، في تقديري، تعبير عن حيوية الرسالة وقدرتها على التجدد في وسائلها مع ثبات مقاصدها. فالأديان العظيمة لا تفقد أصالتها حين تعيد النظر في أساليب خطابها، وإنما تزداد حضورًا وتأثيرًا عندما تقرأ واقع الناس قراءة واعية، وتخاطبهم باللغة التي يفهمونها، وتلامس الأسئلة التي تشغل عقولهم وضمائرهم.

ومن هذا المنطلق، أجد نفسي كثيرًا ما أتأمل واقع الخطاب الإسلامي في السويد، ليس بدافع النقد، ولا رغبة في التقليل من الجهود المباركة التي يبذلها الأئمة والمرشدون والمحاضرون، وإنما انطلاقًا من إيمان عميق بأن هذه الجهود يمكن أن تكون أكثر أثرًا واتساعًا إذا أحسنا قراءة المرحلة التي نعيشها، وأعدنا ترتيب أولوياتنا بما ينسجم مع طبيعة المجتمع الذي ننتمي إليه.

لقد شهدت السويد خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وثقافية وفكرية عميقة. ولم يكن المسلمون بمنأى عن هذه التحولات، بل كانوا جزءًا منها، يتأثرون بها ويؤثرون فيها. تغيرت طبيعة الأسئلة التي يطرحها الشباب، وتبدلت وسائل تشكيل الرأي العام، واتسعت مساحة الإعلام الرقمي، وأصبح الحوار حول الهوية والدين والانتماء جزءًا من النقاش اليومي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.

وفي ظل هذه المتغيرات، أرى أن من المشروع أن نسأل أنفسنا: هل ما زالت أدواتنا الدعوية تواكب هذا الواقع؟ وهل ما نقدمه اليوم يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها العلماء والدعاة في السويد؟ إن طرح هذه الأسئلة ليس تشكيكًا في الماضي، بل هو احترام للمستقبل، لأن الرسالة التي لا تراجع وسائلها قد تجد نفسها، مع مرور الزمن، بعيدة عن الناس رغم صدق مقاصدها.

ومن أكثر ما يبعث على التفاؤل أن الساحة الإسلامية في السويد تضم عددًا من العلماء والدعاة الذين يجمعون بين رصيد علمي معتبر، وإتقان اللغة السويدية، وفهم الثقافة المحلية، ومعرفة تاريخ المجتمع وقيمه ومؤسساته. وهذه ميزة استثنائية لا تتوافر في كثير من البيئات الأخرى. فالعالم الذي يفهم النص الشرعي ويفهم الإنسان الذي يخاطبه، يكون أقدر على بناء الثقة، وأقرب إلى تقديم الإسلام في صورته الحقيقية، بعيدًا عن سوء الفهم والصور النمطية.

إنني أرى أن هذه الكفاءات تمثل ثروة فكرية وإنسانية ينبغي استثمارها بصورة أوسع. فدور العالم المسلم في المجتمع الأوروبي لم يعد يقتصر على الإمامة أو التعليم داخل المسجد، على أهمية هذين الدورين، بل أصبح يمتد إلى الإسهام في الحوار الثقافي، والمشاركة في النقاشات العامة، والتواصل مع المؤسسات التعليمية والإعلامية، والإسهام في معالجة القضايا المشتركة التي تهم المجتمع كله.

ولعل من المهم هنا أن نؤكد أن هذا التوجه لا يعني أبدًا إهمال البناء الداخلي للمجتمع المسلم. فتعليم العقيدة، وترسيخ القيم، وتربية الأجيال، والعناية بالأسرة، ستظل في مقدمة الواجبات. لكنني أعتقد أن الاكتفاء بهذا الجانب وحده لم يعد كافيًا في مجتمع مفتوح ومتعدد الثقافات، تتقاطع فيه الأفكار والهويات بصورة يومية. فكما يحتاج المسلم إلى من يعلمه دينه، يحتاج المجتمع أيضًا إلى من يعرّفه بحقيقة الإسلام، ويزيل عنه الصور المشوهة، ويبني معه علاقة قائمة على المعرفة والاحترام المتبادل.

إن نجاح الخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة لن يقاس بعدد المحاضرات أو الدروس فحسب، وإنما بقدرته على بناء جسور الثقة، والمشاركة في صناعة الخير العام، والإسهام في تعزيز التماسك المجتمعي. فحين يرى الناس في العالم المسلم شريكًا في خدمة المجتمع، ومدافعًا عن كرامة الإنسان، ومشاركًا في معالجة قضايا الأسرة والشباب والتعليم، فإن صورة الإسلام ستتغير في الأذهان قبل أن تتغير في الكلمات.

ولعل هذا هو التحدي الحقيقي الذي أراه أمامنا اليوم: أن ننتقل من الاكتفاء بردود الأفعال إلى المبادرة، ومن الانشغال بتصحيح الصورة بعد تشوهها إلى صناعة صورة إيجابية من خلال الحضور المستمر، والعمل الصادق، والكلمة الرشيدة، والسلوك الذي يعكس القيم التي ندعو إليها.

إن من الأخطاء التي قد نقع فيها، دون قصد، أن نحصر رسالة العالم والداعية في تعليم المسلمين وحدهم، وكأن أثره ينتهي عند حدود المسجد أو الحلقة العلمية. ولا شك أن تعليم الناس دينهم سيبقى في صدارة الواجبات، فهو الأساس الذي تُبنى عليه الشخصية المسلمة، وهو الحصن الذي يحفظ الهوية والقيم. غير أن الاقتصار على هذا الدور في مجتمع مثل السويد يجعلنا نخسر مساحة واسعة يمكن أن يكون للخطاب الإسلامي فيها حضور إيجابي ومؤثر.

لقد أصبح العالم اليوم أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى، وأصبحت المجتمعات تتشكل من خلال الحوار والتفاعل اليومي بين الثقافات والأديان والأفكار. ولم يعد من الممكن أن يعيش أي مكون اجتماعي بمعزل عن محيطه، أو أن يكتفي بخطاب موجه إلى أفراده وحدهم. ومن هنا أرى أن نجاح الخطاب الإسلامي في السويد لن يتحقق فقط بمدى قدرته على تعليم المسلمين، وإنما أيضًا بقدرته على الإسهام في بناء مجتمع أكثر تماسكًا، وأكثر فهمًا للتنوع، وأكثر احترامًا للاختلاف.

ولعل ما يميز السويد أنها قامت، عبر عقود طويلة، على منظومة من القيم التي تعلي من شأن الإنسان، وتحترم القانون، وتشجع المشاركة المدنية، وتفتح المجال أمام المبادرات المجتمعية. وهذه البيئة، في تقديري، لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها تحديًا فحسب، بل هي أيضًا فرصة كبيرة أمام العلماء والدعاة ليقدموا نموذجًا عمليًا للإسلام من خلال العمل المشترك، وخدمة المجتمع، والإسهام في معالجة القضايا التي تشغل الناس جميعًا، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.

إن الناس، في الغالب، لا يغيرون انطباعاتهم عن الأديان من خلال المناظرات، وإنما من خلال التجارب الإنسانية المباشرة. فقد تترك مبادرة اجتماعية صادقة، أو مشاركة في مشروع يخدم الشباب، أو كلمة متزنة في مناسبة عامة، أثرًا أعمق بكثير من عشرات الخطب التي لا تتجاوز جمهورها التقليدي. ولهذا أعتقد أن الخطاب الإسلامي يحتاج اليوم إلى أن يكون حاضرًا حيث توجد قضايا الإنسان، لا حيث يوجد المسلمون فقط.

ومن خلال متابعتي للواقع الأوروبي، أرى أن المجتمعات لم تعد تبحث عن خطاب يدافع عن نفسه باستمرار، بقدر ما تبحث عن شركاء يسهمون في صناعة الحلول. ومن هنا فإن الانتقال من خطاب ردود الأفعال إلى خطاب المبادرة ليس مجرد تطوير في الأسلوب، بل هو تحول في الرؤية. فبدل أن ينشغل الداعية بتصحيح صورة الإسلام بعد كل أزمة، يمكنه أن يسهم، من خلال حضوره المستمر، في بناء صورة إيجابية تجعل تلك الأزمات أقل تأثيرًا عندما تقع.

وهذا يقودنا إلى قضية أراها في غاية الأهمية، وهي أن فقه الواقع لم يعد ترفًا فكريًا، ولا علمًا يضاف إلى علوم الدعوة، بل أصبح جزءًا من كفاءتها الأساسية. فالعالم الذي يعرف النصوص الشرعية، ولا يعرف المجتمع الذي يخاطبه، قد يحسن عرض الأحكام، لكنه قد لا ينجح دائمًا في إيصال رسالتها. أما إذا اجتمع فهم النص مع فهم الإنسان، وفهم المقاصد مع إدراك السياق، فإن الخطاب يصبح أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على التأثير فيهم.

وليس المقصود بفقه الواقع مجاراة المجتمع في كل ما يراه، أو التنازل عن ثوابت الدين، كما قد يتوهم بعض الناس، وإنما المقصود هو فهم طبيعة الأسئلة التي تشغل الناس، واللغة التي يتواصلون بها، والقضايا التي تؤرقهم، ثم تقديم الهداية الإسلامية بأسلوب يجعلها جزءًا من الإجابة، لا عنصرًا خارجًا عن سياق الحياة.

ولعل من أكثر القضايا التي تستحق التأمل أن كثيرًا من شباب اليوم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، لا يبحثون أولًا عن الجدل العقدي، وإنما يبحثون عن المعنى، وعن الطمأنينة، وعن الأسرة المستقرة، وعن القيم التي تمنح الحياة غاية. وهذه أسئلة يمتلك الإسلام إجابات عميقة عنها، لكن قيمة هذه الإجابات تتوقف على الطريقة التي نقدمها بها، وعلى قدرتنا على مخاطبة الإنسان بلغته، واحترام عقله، والإصغاء إلى هواجسه قبل أن نطالبه بالإصغاء إلينا.

وأحسب أن هذه هي المرحلة الجديدة التي يحتاجها الخطاب الإسلامي في السويد؛ مرحلة لا تغير ثوابته، لكنها تعيد ترتيب أولوياته، وتوسع آفاق حضوره، وتجعله أكثر اقترابًا من المجتمع الذي يعيش فيه. فالرسالة الخالدة لا تحتاج إلى تغيير، وإنما تحتاج دائمًا إلى من يحسن حملها، ويقرأ واقعه بعين الحكمة، ويوقن أن بناء الثقة مع الناس ليس عملًا هامشيًا، بل هو جزء أصيل من نجاح الدعوة نفسها.

إن من أبرز التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي اليوم أنه كثيرًا ما يُقاس بما يقوله أصحابه، بينما يُقاس في الواقع بما يتركه من أثر في حياة الناس. فالكلمات، مهما بلغت من البلاغة، لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تتحول إلى سلوك، وإلى مبادرات، وإلى حضور إنساني يشعر الناس من خلاله بأن الإسلام ليس مجرد منظومة من الأحكام، بل رسالة رحمة ومسؤولية وإصلاح.

ومن هنا، فإنني أرى أن دور العالم أو الإمام في المجتمع السويدي لم يعد يقتصر على كونه معلمًا أو خطيبًا، بل أصبح يؤدي دورًا أوسع يتجاوز حدود المسجد إلى المجال العام. فوجوده في الجامعات، ومشاركته في الندوات الفكرية، وإسهامه في الحوار المجتمعي، وتعاونه مع المؤسسات المدنية في معالجة قضايا الأسرة والشباب والعنف والإدمان والعزلة الاجتماعية، كل ذلك لا يخرجه عن رسالته، بل يمنحها بعدًا عمليًا ينسجم مع المقصد الإسلامي في عمارة الأرض وخدمة الإنسان.

ولعل من المهم أن ندرك أن المجتمع لا ينتظر من العلماء أن يقدموا حلولًا لكل المشكلات، لكنه ينتظر منهم أن يكونوا جزءًا من الحل، وأن يقدموا نموذجًا في الحكمة والاتزان وحسن الاستماع قبل حسن الحديث. فالناس يثقون بمن يشاركهم همومهم، أكثر مما يثقون بمن يكتفي بالحديث عنها.

ومن خلال تجربتي وتأملي في الواقع، أرى أن بناء الثقة أصبح اليوم أحد أهم ميادين الدعوة. فالثقة هي التي تفتح القلوب للحوار، وهي التي تجعل الكلمة مقبولة، وهي التي تمنح العالم مكانته الأخلاقية في المجتمع. وهذه الثقة لا تُكتسب بالشعارات، وإنما بالاستقامة، والصدق، واحترام الآخرين، والوفاء بالعهد، والقدرة على التعاون في كل ما يحقق الخير العام.

وفي المقابل، فإن الخطاب الذي يغلب عليه الانفعال، أو يختزل العلاقة مع المجتمع في دائرة الخصومة، قد يحقق صدىً مؤقتًا، لكنه لا يبني جسورًا طويلة الأمد. أما الخطاب الذي يجمع بين الثبات على المبادئ، والانفتاح على الإنسان، فهو الأقدر على أن يبقى، وأن يترك أثرًا يتجاوز اللحظة.

وليس المقصود من هذا الحديث أن يتحول العلماء إلى ناشطين اجتماعيين على حساب رسالتهم العلمية، ولا أن تذوب الهوية الإسلامية في ثقافة المجتمع. وإنما المقصود هو تحقيق التوازن الذي عرفت به حضارتنا الإسلامية عبر تاريخها؛ توازن يجمع بين العلم والعمل، وبين الثبات والتجديد، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخرين.

وأحسب أن هذا التوازن هو ما تحتاج إليه الأجيال المسلمة الجديدة في أوروبا. فالشاب المسلم اليوم لا يكتفي بأن يسمع الأحكام، بل يريد أن يرى كيف يمكن لتلك الأحكام أن تساعده على أن يكون مسلمًا صالحًا، ومواطنًا نافعًا، وجارًا حسن الخلق، وشريكًا في بناء مجتمعه. وهذه المعاني، إذا نجح الخطاب الإسلامي في تجسيدها، فإنه لن يحفظ هوية المسلمين فحسب، بل سيقدم أيضًا صورة أكثر صدقًا وعدلًا عن الإسلام نفسه.

وفي النهاية، لا أكتب هذه الكلمات لأنني أرى أن الخطاب الإسلامي في السويد قد أخفق، بل لأنني أؤمن بأنه يمتلك من الطاقات والخبرات ما يؤهله ليكون أكثر تأثيرًا في المرحلة القادمة. وما يدفعني إلى هذا الحديث هو قناعتي بأن الرسائل العظيمة تستحق دائمًا أن نراجع وسائلها، وأن نقوّم أداءنا، وأن نتعلم من تجاربنا، دون أن نفقد ثقتنا بما نحمله من مبادئ.

إن المرحلة الجديدة التي أتطلع إليها ليست مرحلة تغيير في الدين، بل مرحلة نضج في الخطاب، ووعي بالواقع، وحسن ترتيب للأولويات. مرحلة يكون فيها العالم المسلم قريبًا من الناس، حاضرًا في قضاياهم، ثابتًا على قيمه، منفتحًا على مجتمعه، واثقًا بأن الخير الذي يحمله الإسلام يتسع لكل إنسان.

وأرجو أن ننجح، نحن حملة العلم، في أن نجمع بين عمق المعرفة، ورحابة الأفق، وصدق الكلمة، وحسن الخلق. فهذه، في تقديري، هي العناصر التي تصنع خطابًا يطمئن إليه المسلم، ويحترمه غير المسلم، ويترك أثره في المجتمع بعيدًا عن الضجيج والاستقطاب.

إن مستقبل الخطاب الإسلامي في السويد لن تصنعه كثرة الكلمات، وإنما تصنعه جودة الحضور، وصدق القدوة، واتساع الرؤية. وكلما ازددنا فهمًا لمجتمعنا، وإخلاصًا لرسالتنا، وحكمةً في خطابنا، اقتربنا أكثر من أداء الأمانة التي حملناها، وأسهمنا في بناء مجتمع يتسع للجميع، ويقوم على الاحترام المتبادل، والعدل، والتعاون، والكرامة الإنسانية.

د. محمود الدبعي