المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: لم تكد نتائج الانتخابات البرلمانية السويدية لعام 2026 تُحسم حتى برز سؤال آخر، ربما أكثر تعقيداً من سؤال الفائز والخاسر: من يستطيع أن يحكم السويد، وبأي شروط؟
النتيجة النهائية منحت أحزاب المعارضة الأربعة — الاشتراكيين الديمقراطيين (S)، وحزب اليسار (V)، وحزب البيئة (MP)، وحزب الوسط (C) — 176 مقعدًا في البرلمان، مقابل 173 مقعدًا لأحزاب اتفاق تيدو: المحافظين (M)، وديمقراطيي السويد (SD)، والمسيحيين الديمقراطيين (KD)، والليبراليين (L).
ثلاثة مقاعد فقط صنعت الفارق. لكنها لم تكن كافية لصناعة حكومة.
فخلف الأغلبية الحسابية تقف معادلة سياسية أكثر تعقيداً: حزب اليسار يريد أن يكون جزءاً من الحكومة المقبلة، فيما يرفض حزب الوسط مشاركته فيها. وبين هذين الموقفين يجد الاشتراكيون الديمقراطيون أنفسهم أمام مهمة شديدة الصعوبة لتجميع 176 مقعداً تحت مظلة سياسية واحدة.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا تتجه الأنظار مرة أخرى إلى حزب اليسار، وكأنه الطرف المنتظر منه أن يتراجع؟
علاقة قديمة محمّلة بانعدام الثقة
التوتر بين حزب اليسار والاشتراكيين الديمقراطيين ليس وليد انتخابات 2026. فجذوره تمتد إلى الانقسام التاريخي داخل الحركة العمالية السويدية العام 1917، حين انفصل الجناح اليساري عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وبعد أكثر من قرن، لا تزال آثار ذلك التاريخ حاضرة في العلاقة بين الحزبين. وقد أعاد وزير العدل الاشتراكي الديمقراطي السابق توماس بودستروم، في حديث لـSVT مطلع هذا العام، جذور جانب من انعدام الثقة إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، عندما كان حزب اليسار — بسلفه السياسي آنذاك — الحزب الوحيد الذي لم يشارك في حكومة الائتلاف الوطني.
لكن التاريخ البعيد ليس وحده ما يثقل العلاقة.
ففي العام 2019 جاء اتفاق يناير (Januariavtalet)، الذي أتاح لستيفان لوفين الاستمرار في الحكم بعد مفاوضات طويلة أعقبت انتخابات 2018. الاتفاق بين S وMP وC وL تضمّن إبعاد V عن التأثير في التوجه السياسي للحكومة، وهو ما أصبح داخل حزب اليسار رمزاً لعلاقة غير متكافئة، وأُطلق عليه وصف “بند الإذلال”.
بالنسبة إلى V، لم تكن المشكلة أنه بقي خارج الحكومة فحسب، بل أن أصواته كانت مطلوبة لتمرير حكومة جرى في الوقت نفسه الاتفاق على حرمانه من التأثير فيها.
جرح 2021 لم يلتئم
ثم جاءت أزمة العام 2021، عندما تمسك حزب اليسار بخطه الأحمر بشأن تحرير إيجارات المساكن الجديدة، انتهى الأمر بتصويت حجب الثقة عن حكومة ستيفان لوفين. وكانت تلك أول مرة في التاريخ السياسي السويدي يُسقط فيها البرلمان رئيساً للحكومة عبر تصويت لحجب الثقة.
وبحسب النائبة السابقة عن V ليندا سنيكر، تركت تلك المواجهة جرحاً عميقاً في العلاقة مع الاشتراكيين الديمقراطيين. وقالت في برنامج Politikbyrån على SVT في فبراير 2026 إن شخصيات كانت في مواقع مؤثرة آنذاك لا تزال تتمتع بنفوذ داخل S، وإن تجاوز ما حدث يحتاج إلى وقت طويل.
وهكذا دخل الحزبان انتخابات 2026 وهما بحاجة إلى بعضهما حسابياً، لكنهما يحملان إرثاً سياسياً يجعل الثقة بينهما أكثر تعقيداً من مجرد جمع المقاعد.
المسألة ليست مقاعد وزارية فقط
يمكن النظر إلى إصرار V على المشاركة في الحكومة باعتباره صراعاً على الحقائب الوزارية. لكن هذا التفسير وحده لا يكفي.
فبين V وS خلافات سياسية حقيقية، ولا سيما في ملفات الهجرة والسياسة الجنائية وقضايا اقتصادية واجتماعية عدة. وقد دخل الاشتراكيون الديمقراطيون انتخابات 2026 وهم يؤكدون رغبتهم في الإبقاء على سياسة هجرة مشددة، في وقت تطالب فيه أحزاب محتملة للتعاون معهم بتغييرات بدرجات متفاوتة.
بالنسبة إلى حزب اليسار، يصبح السؤال لذلك أكثر جوهرية: ما الذي يعنيه دعم حكومة إذا لم يكن الحزب قادراً على التأثير فعلياً في سياساتها؟
وتكتسب هذه المسألة حساسية إضافية بعد تجربة اتفاق يناير. فمن منظور V، منح الأصوات لحكومة من الخارج من دون ضمان نفوذ سياسي حقيقي يحمل خطر العودة إلى الوضع نفسه الذي يرفض الحزب تكراره.
صناديق الاقتراع عززت موقع V
هناك أيضاً نتيجة انتخابية لا يمكن تجاوزها.
حصل حزب اليسار في انتخابات 13 سبتمبر 2026 على 8.40 في المئة من الأصوات، مقابل 6.75 في المئة في انتخابات 2022، أي بزيادة قدرها 1.66 نقطة مئوية، وحصل على 30 مقعداً في البرلمان.
وبذلك أصبحت مقاعده الثلاثون جزءاً أساسياً من الأغلبية البرلمانية التي تضم S وV وMP وC.
هذه النتيجة تعزز حجة قيادة الحزب بأن الناخبين لم يمنحوها تفويضاً لتوفير الأصوات فحسب، وإنما أيضاً لمحاولة تحويل تلك الأصوات إلى نفوذ سياسي ملموس.
ومن هنا جاء موقف نائبة رئيس الحزب إيدا غابرييلسون واضحاً: دعم حكومة من الخارج مقابل وعود بسياسات معينة ليس الخيار الذي يريده V. الحزب يريد المشاركة في الحكومة نفسها.
المشكلة الأخرى اسمها C
لكن اختزال أزمة تشكيل الحكومة في تشدد حزب اليسار يغفل نصف المعادلة. فحزب الوسط (C) رسم بدوره خطاً أحمر واضحاً: لا يريد V داخل الحكومة.
وفي مواجهة تلفزيونية على SVT عقب الانتخابات، أكد سكرتير حزب الوسط هانس هيرفيو أن حزبه كان واضحاً في رفض مشاركة حزب اليسار في الحكومة المقبلة. وفي المقابل، تقول إيدا غابرييلسون إن V يقبل وجود C في حكومة مشتركة رغم الخلافات الكبيرة بين الحزبين.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل تشكيل الحكومة بالغ الصعوبة: الأغلبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع موجودة عددياً، لكنها لا تشكل حتى الآن أغلبية سياسية متجانسة.
فالـ176 مقعداً لا تنتمي إلى كتلة حزبية متوافقة على برنامج حكم واحد، بل إلى أربعة أحزاب تختلف في قضايا جوهرية، ويضع اثنان منها شروطاً يصعب التوفيق بينها.
أغلبية على الورق… وأزمة في الواقع
هذه التناقضات ظهرت سريعاً بعد الانتخابات.
ففي 28 سبتمبر، أعلنت زعيمة الاشتراكيين الديمقراطيين مجدلينا أندرشون أنها لا ترى في الظروف الحالية إمكانية لتشكيل حكومة، رغم أن الأحزاب الأربعة التي أطاحت بأغلبية تيدو تمتلك مجتمعة 176 مقعداً.
وبذلك تحولت نتيجة كان يمكن قراءتها ليلة الانتخابات باعتبارها انتقالاً واضحاً للسلطة إلى أزمة تشكيل حكومة مفتوحة على أكثر من سيناريو.
وإذا فشلت محاولات رئيس البرلمان الأربع لتمرير مرشح لرئاسة الحكومة، يفتح الدستور الطريق أمام انتخابات استثنائية. وهي إمكانية تعيد إلى الأذهان المأزق الذي أعقب انتخابات 2018، عندما احتاجت السويد إلى 134 يوماً قبل تشكيل حكومة جديدة.
لماذا يكون التنازل مطلوباً من طرف واحد؟
هنا نعود إلى السؤال الأول.
من الطبيعي أن يواجه حزب اليسار ضغوطاً لتقديم تنازلات، لأن تشكيل الحكومات الائتلافية يقوم أساساً على التسويات. لكن المنطق نفسه ينطبق على بقية الأحزاب التي تحتاج إلى أصوات بعضها بعضاً.
فإذا كان V مطالباً بالتراجع عن شرط المشاركة الحكومية من أجل فتح الطريق أمام حكومة تقودها مجدلينا أندرشون، فإن السؤال المقابل يصبح مشروعاً: ماذا عن الخط الأحمر الذي وضعه C ضد مشاركة V؟ ولماذا يُنظر إلى أحد الشرطين باعتباره عقبة ينبغي إزالتها، بينما يُتعامل مع الآخر باعتباره نقطة انطلاق للمفاوضات؟
الانتخابات لم تمنح أي حزب تفويضاً بالحكم منفرداً، ولم تمنح أياً من الكتلتين مساحة مريحة للمناورة. لقد أفرزت برلماناً لا يمكن فيه الوصول إلى الحكم إلا عبر أحزاب تختلف فيما بينها بقدر ما تتفق على تغيير الحكومة السابقة.
ولهذا ربما لا تكون أزمة السويد بعد انتخابات 2026 أزمة حزب اليسار وحده، ولا حزب الوسط وحده، بل أزمة معادلة سياسية جديدة: الجميع يحتاج إلى الآخر، لكن لا أحد يريد دفع الثمن السياسي لذلك الاحتياج.
ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال: لماذا يصر حزب اليسار على المشاركة في الحكومة؟
السؤال الأكثر دقة هو: إذا كانت أصوات حزب اليسار ضرورية لصناعة الأغلبية، فلماذا يُفترض مسبقاً أن يكون هو الطرف الذي يتنازل عن شرطه، لا أن تكون التسوية مسؤولية جميع الأطراف التي تريد تحويل أغلبية الـ176 مقعدًا من رقم على الورق إلى حكومة قادرة على الحكم؟
أحمد القاش
عضو محليات لاندسكرونا وعضو مجلس محافظة سكونا عن حزب اليسار