Bild: Tomas Oneborg/SvD/TT
Bild: Tomas Oneborg/SvD/TT
5.5K View

الكومبس – مقال رأي: عندما يصرح عضو البرلمان السويدي حنيف بالي، وفي عدة مناسبات بأن على السويد التوقف عن استقبال المهاجرين، ويعتبر اللاجئين خاصة القادمين من الشرق الأوسط بأنهم عبئ ثقافي وأخلاقي على السويد، وهو نفسه من أصول شرق أوسطية مهاجرة، يحاول كما يبدو إثبات أنه سويدي أكثر حتى من السويديين العاديين.
ولكن هل سيسامح المجتمع السويدي هذا السياسي، المثير للجدل، بعد أن يثبت التحقيق بأنه تورط بالتحرش بقاصر؟ وبعد إثبات قيامه بفعل غير أخلاقي مشين خاصة لأنه عضو برلمان؟ هل يعتقد هذا المسكين بأن السويد ستغض النظر عنه لأنه حاول جاهدا أن يضع نفسه فوق ثقافات وأخلاقيات الآخرين؟ وفي حال ثبتت عليه تهم التحرش الجنسي بقاصر والتي تلاحقه وتضيق عليه يوما بعد يوم، هل سيعيد حساباته بعد أن يفقد ماء وجهه كسياسي وكقدوة لليمين المعادي للاجئين؟

الموضوع لا يحتاج إلى وضع بالي في عيادة نفسية، حتى نحلل مثل هذا الشعور الناتج عن مركبات نقص يعاني منها هو وعدد ممن هم من أصول مهاجرة، خاصة عندما يمارسون السياسة أو يستلمون وظائف رفيعة بمؤسسات الدولة.
لا نريد أن نطلق صفة “العنصرية” على بالي وعلى من هم على شاكلته، ممن لهم أصول أجنبية، ويحاولون وضع أنفسهم في مراتب أعلى من الآخرين، ولكن يمكن أن نقول عن حالتهم هذه أنها “ظاهرة” للأسف موجودة مع أنها يمكن أن تتقاطع وتتماهي بوضوح مع الأفكار العنصرية والنازية.
لا يزال الفكر العنصري موجود وهناك أحزاب ومنظمات سويدية، قليلة جدا، لا تزال تؤمن بأن الجنس السويدي هو جنس في مرتبة أعلى من بقية الشعوب وخاصة اللاجئين والمهاجرين، ولكن بعد انتصار البشرية على هتلر وعلى النازية وانكشاف ما فعلته هذه النظرية من ويلات بحق اليهود والغجر والشعوب الأخرى، اتبع بعض العنصريين أسلوبا آخر لإخفاء وجههم الحقيقي، فقد استبدلوا ظاهريا معتقداتهم بوجود “أجناس بشرية متدنية”، بمفهوم ومصطلح جديد وهو وجود “ثقافات متدنية” وذلك لسهولة وقابلية نشر الكراهية بحق الآخرين.
تعبير الثقافة المختلفة وتصنيف الثقافات بين متدنية وراقية، تعبير متداول بشدة، هذه الأيام، وليس بالضرورة أن يكون من يلوك ويعلك هذا التعبير، نازيا أو عنصريا، بل على الأغلب يكون منتميا لظاهرة ” حنيف بالي”
هناك أمثلة يومية عن هذه الظاهرة التي لها أسس عنصرية، يمكن أن نصادفها يوميا، على سبيل المثال وفي الفترة الأولى لوصولي للسويد بداية التسعينيات قابلت أحد اليساريين القدامى القادم من اللجوء في الاتحاد السوفيتي إلى اللجوء السويدي، وأثناء الحديث قال لي مفتخرا إن بناته في المدرسة ليس لهم أي أصدقاء من أصول عربية أو شرق أوسطية، مرددا “بناتي ما شاء الله ما مصادقين إلا سويديات أو بنات من أوروبا الشرقية”.
مع أن هذا الأب كان مناضلا يساريا إلا أنه انجرف نحو ترديد كلمات عنصرية دون أن يدري على الأغلب.
حادثة أخرى حصلت معي منذ أيام، حيث التقيت مع أحد رجال الأعمال العرب الناجحين نسبيا، قال لي وهو يهتز داخل كرسي مكتبه الكبير والدوار: أنتم في الكومبس كيف تتحملون هؤلاء العرب وتعليقاتهم…كل تجاربي مع العرب مخيبة للآمال …هذا البلد فقط للسويديين …سأنتخب الـ SD ..أنا اكتشفت أن السويد يجب أن تطرد كل أصحاب الشعر الأسود” أول ما أنهى كلامه أمعنت النظر إلى لون شعره الأسود، مرة أخرى، وأنا أشعر بالأسف على حاله، لعل عيوني تكون مخطئة ويكون هذا الشخص أشقر دون أن أدري.
بالعودة إلى حنيف بالي نجد أن الشعور بالشماتة اتجاه هذا الإنسان هو شعور غير دقيق وربما خاطئ، الشعور الأفضل هو الأسف والتحسر، لأنه قدم نفسه كسياسي متميز بكراهيته للاجئين والمهاجرين خاصة القادمين من الشرق الأوسط، ولأنه سار مع تيار سياسي شعبوي يخاطب الرأي العام وكأن هؤلاء القادمين إلى السويد بحثا عن الأمان وعن فرص عيش جديدة يشكلون عبء ثقافي واجتماعي على السويد، وهو بالتالي يضع نفسه في مصاف السويديين المنزهين عن المعاصي والأخطاء، وفي مرتبة السويديين البيض والحضاريين والمختلفين عن رعاع المهاجرين، حسب ما هو يعتقد ووفق تصريحاته وتغريداته المثيرة للجدل والتي كانت دائما موجهة، لكي يثبت أن اندماج الشرق أوسطي عملية صعبة لأن الشرق أوسطي قادم من مجتمعات وثقافات متدنية.
ما يدعو للأسف أن الشخص السويدي العادي لا يفكر مثل هؤلاء، بل أن أغلبية السويديين الساحقة لديهم قيم إنسانية رائعة ويؤمنون بالمساواة والعدالة الاجتماعية. بل أن المجتمع والدولة ومؤسساتها قائمة على نبذ العنصرية وعلى مكافحة التمييز، وقادرة على محاكمة بالي أيضا، حتى ولو تملق إلى حين.
د. محمود آغا

Related Posts