قبل 40 سنة تماماً، وفي مثل هذا اليوم 28 فبراير 1986، خرج رئيس وزراء السويد أولف بالمه مع زوجته لحضور فيلم سينمائي، لكن رصاصة في ظهره أنهت حياته.

سقط رئيس وزراء السويد في شارع “سفيفاغن” وسط ستوكهولم ويده بيد زوجته اليزابت، دون حراسة، وهرب القاتل، وإلى الآن لا تزال شخصية هذا القاتل غير معروفة تماماً، ومحل شك وعدم يقين. رغم أن عملية الاغتيال وقعت في وسط العاصمة، كما أن الجريمة شوهدت من قبل أكثر من 12 شخصاً، حيث وصفوا القاتل بأنه رجل طويل القامة فرَّ هارباً من مكان الحادث بعد إطلاقه الرصاص.

ما هو مؤكد أن العالم فقد، برحيل بالمه، سياسياً دولياً كان معروفاً بمبادئه وقيمه الديمقراطية الاشتراكية، إضافة إلى مناصرته لقضايا التحرر والمساواة والعدالة الإنسانية في العالم، مثل مسألة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا والقضية الفلسطينية.

كان بالمه شخصية مثيرة للجدل وصريحاً في طرح آرائه داخل السويد وخارجها، أثناء ولايته الثانية لإدارة بلاده. لعل السويد وحتى أوروبا تفتقد الآن شخصاً تتوفر فيه صفات الزعامة والشجاعة، حيث نجد أن أغلب القيادات الأوروبية تشبه الموظفين الحكوميين الحذرين من اتخاذ المواقف الحاسمة والشجاعة.

رئيس وزراء السويد الحالي أولف كريسترشون قال اليوم في منشور له من وحي المناسبة، إنه وأولف بالمه لديهما بلا شك قيم مختلفة: “اليوم تحديداً أرى أن هناك سبباً للتفكير قليلاً بشكل إضافي في زمن أولوف بالمه ومسيرته. الآن أحمل أنا مهمة أولوف بالمه. فقد كان رئيس وزراء السويد رقم 26، وأنا أحمل الرقم 35. وبالطبع نحن مختلفان جداً. كشخصين، لدينا خلفيات وتجارب مختلفة تماماً، ننتمي إلى حزبين مختلفين، ولدينا بلا شك قيم مختلفة، ونعيش، وليس أقل أهمية، في أزمنة مختلفة جداً”. مضيفاً أنه، ومع ذلك، يرى أموراً مهمة يقدرها فيه، “إلى جانب أنه تحمّل المسؤولية الصعبة لقيادة السويد: وهي إيمانه بالمستقبل وتفاؤله به، بأن كل شيء يمكن أن يصبح أفضل، حتى في خضم الأوقات الصعبة”.

لا نعلم ما يقصده كريسترشون بالضبط بأن لديه قيماً تختلف عما لدى أولوف بالمه، خصوصاً أن السويد والعالم كله على علم واطلاع على قيم بالمه.

فرق بين الزعيم السياسي والموظف

صحيح أننا لا نستطيع المقارنة بين رئيسي وزراء السويد رقم 26 ورقم 35، لأننا نعيش في وقت مختلف وبفارق 40 سنة عن أجواء الحرب الباردة والنضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ومآسي حرب فيتنام، لكننا نعيش في أجواء قد يكون عنوانها مشابهاً: الصراع على تشكيل نظام عالمي جديد.

ما حققه بالمه من اختراق في رفضه الخضوع لإملاءات السياسة التقليدية المنحازة قبل 40 عاماً، حيث بنى لنفسه كزعيم وقائد أوروبي شخصية خاصة مستقلة جوهرها حقوق الإنسان ورفض الاستعمار والعبودية، من الصعب أن يحققه كريسترشون أو أي قائد أوروبي حالياً.

ما ميز بالمه أنه عمل الكثير لبلده وشعبه أيضاً، مع أن عائلته تنتمي للطبقة الأرستقراطية، ولم يكن مثل بعض الزعماء مهتماً بصورته الخارجية فقط، فهو تبنى سياسات سلفه تيج إرلاندر وطورها. فخلال فترة رئاسته للوزراء، زاد بالمه من قوة النقابات العمالية ووسّع إلى حد كبير الرعاية الصحية ورفاهية الدولة، وأزال جميع السلطات السياسية الرسمية من النظام الملكي، واستثمر بشكل كبير في التعليم.

أحد الإصلاحات الحيوية التي تعود له كان إنشاء الروضات ودور الحضانة، مما سمح للنساء بأن يصبحن جزءاً من القوى العاملة لأول مرة، كما عزز المساواة بين الجنسين في البلاد، إلى جانب أنه كان صوتاً قوياً ومسموعاً في الشؤون الدولية، ومنتقداً لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

قال بالمه لصحيفة “نيويورك تايمز” العام 1973: “لست نادماً لأني كنت مضطراً للتحدث بصوت عالٍ لجعل كل شخص في هذا العالم يسمع. لا يمكنني السكوت عن هكذا قضايا، ولا أحد يستطيع إجباري على فعل ذلك”.

فهل يستطيع أي رئيس حكومة أوروبي حالياً قول ذلك؟ هناك فرق كبير بين الزعيم السياسي والموظف الحكومي

محمود آغا