نشأتُ في سوريا في ظل حكم الأسد الأب، وخرجتُ منها قبل تولي الأسد الابن الحكم بحوالي 18 عامًا، وتحديدًا في العام 1982. ما هو عالق في ذاكرتي من أيام الطفولة المبكرة إلى مرحلة الشباب، مشاهد من دولة لم يكن يجوع بها أحد، التعليم متاح فيها للجميع، إلى جانب رعاية صحية مقبولة، لم يكن أحد يسأل عن طائفة أو عشيرة أو عائلة أحد. بلد استقبل مهاجرين وهاربين من بلدانهم بكل رحابة صدر، مثل موجات الهجرة من أرمينيا وتركيا، مرورًا باستقباله لفلسطينيين، ولعراقيين، ولبنانيين وغيرهم.
كانت سوريا تنعم بفترة استقرار إلى حد الخمول بعد انتهاء حرب تشرين 1973، إلى ما قبل بدء أحداث العنف في حماة وعدة مدن سورية بداية العام 1982، والتي تزامنت مع خروجي من البلد لتكملة دراستي في الخارج.
القطار الذي لم يتحرك
في هذه الفترة، كان الشعب مثل ركاب قطار آمنين، يحصلون على الطعام وعلى ما يريدون، وكان الركاب شبه سعداء وشبه راضين، ولديهم أمل بأن قطارهم يسير إلى جانب قطارات دول العالم، أو على الأقل الدول المجاورة لهم، نحو التقدم والازدهار. ولكن الحقيقة المُرّة التي اكتشفها الركاب لاحقًا، هي أن قطارهم كان طوال هذه الفترة متوقفًا.
توقّف القطار السوري في فترة حكم الأسد الأب، من خلال تفرغه للملفات الأمنية، ومن ضمنها ملف لبنان، وبالتالي إهماله لمسائل مصيرية مثل وقف الهجرة من الريف بسبب الجفاف، وعدم بناء مؤسسات حديثة تلائم حركة التطور، وتركيزه على دعم بعض العائلات الغنية في المدن الكبرى، وقمعه للناس ومنعهم من مجرد الحديث في السياسة. كل ذلك أسس لما تشهده سوريا اليوم. لا توجد مؤسسات خدمية صالحة ومؤهلة، بل، والأهم من كل ذلك، لا توجد أسس لبناء “المواطنة الواعية”. صحيح أن الدولة استطاعت تكوين مهندسين وأطباء وأكاديميين، لكنها فشلت في تكوين “المواطن الواعي” حيث يشعر كل مواطن بانتمائه للوطن، يقدّم واجباته بكل طيبة خاطر، ويحصل على حقوقه دون مِنّة من أحد.
لحظة أمل.. ثم خيبة
حين استلم ابنه بشار الحكم في العام 2000، استبشر الكثيرون خيرًا، لأن الرئيس الجديد شاب ومتعلم، وقد “تربّى على العِزّ” لأنه ابن رئيس، كما كان يُقال، ومن البديهي إذًا أنه يحمل أفكارًا منتظرة لتطوير البلد.
أول زيارة قمت بها إلى سوريا بعد فترة انقطاع، كانت متزامنة مع وصول الرئيس الجديد، ومع جرعة التفاؤل والأمل التي قدّمها هذا التغيير الظاهري للشعب السوري.
كنت أصل إلى سوريا مدعوًا للمشاركة في ندوات ومؤتمرات علمية، بحكم عملي مع مؤسسات سويدية ضمن تقنيات الاستشعار عن بُعد وإدارة الأراضي، واستطعت تأمين منحة لسوريا من وكالة التنمية السويدية “سيدا”، لدراسة جدوى مشروع تنظيم إدارة الأراضي في سوريا، والتي تشمل الشق العقاري من نواحٍ فنية واقتصادية وحقوقية، وما يرافق ذلك من تحديث لعمل المؤسسات.
ما اكتشفه الفريق السويدي الذي عملت معه، بعد الانتهاء من مشروع الدراسة، أن سوريا كانت حرفيًا نائمة في سبات منذ فترة السبعينات: ركاب في قطار متوقف، قوانين وتعليمات متحجّرة من أيام العثمانيين والفرنسيين، مؤسسات مترهّلة، بطالة مقنّعة، معالجة سطحية لمشاكل متجذرة، عدا ما يتيحه كل ذلك من وجود حالات فساد مستشرية، من أصغر موظف إلى أعلى هرم وظيفي.
الأدهى من كل ذلك، أن الاقتراحات التي قدّمتها الدراسة لإصلاح قطاع إدارة الأراضي، جوبهت بمعارضة شرسة من وزراء ومديرين عامين، بل إن الوفد السويدي تعرّض لما يشبه الإهانات من بعض هؤلاء المسؤولين، مثل: “ما باقي إلا السويدي يجي يعلّمنا”، أو “أهل مكة أدرى بشعابها”، أو “نحن ما صدّقنا خلّصنا من الفرنساوي حتى نبتلي بالسويدي”، وعلى هذه الشاكلة.
“إصلاح” بلا رؤية
على الرغم من ذلك، يمكن القول إنني استفدت كثيرًا من هذه التجربة الميدانية في سوريا، ووصلت إلى عدة استنتاجات، أهمها:
أن جرعة الأمل التي تجرّعها السوريون بوصول بشار، سوف ينتهي مفعولها قريبًا، ولكن لن تنتهي على خير، وأن الانفجار قادم لا محالة، لأن البلد لا يتطوّر فعلاً، والمشاكل الأساسية تتراكم، وأن القبضة الحديدية التي استخدمها الأب استُبدلت بقبضة فولاذية مغلّفة أحيانًا بقفاز حرير.
الاستنتاج الثاني، أن جوهر الإصلاحات التي ادّعى بشار أنه يقودها، تناسى أن جوهرها وأساس أي إصلاح هو الإصلاح السياسي، ومن ثم يأتي موضوع بناء المؤسسات على أسس مستقلة، وتعزيز فصل السلطات، إضافة إلى مسألة بناء “المواطنة الواعية”. وقد اتضح أن الوعي هو ألدّ أعداء الديكتاتورية.
ولعلّ أهم استنتاج وصلت إليه من خلال هذه التجربة القصيرة نسبيًا، استنتاج يتعلق بشخصية بشار. وجدت أن هذا الرئيس يحكم بلا أفق، وبلا رؤية أو نظرة استراتيجية. شاب عنيد، يعتقد ويؤمن فقط بالحلول الأمنية، حتى إن أي قرار تصدره الهيئات السورية يجب أن يُغطّى أولاً بقرار أمني يسبقه.
من المؤكد أن هذا الشاب لم يكن ضعيفًا كما حاول البعض تصويره. فهو استطاع التخلص واستبدال كل الحرس الحزبي القديم لوالده، واعتمد على أجهزة أمنية قوية، وعلى مجموعة مهندسين من “الجمعية المعلوماتية”، أغلبهم مثله بلا أفق، رغم شهاداتهم الأكاديمية. إضافة إلى اعتماده على نخبة من الفاسدين الأثرياء، جلهم من أقاربه.
والسؤال الآن: سوريا إلى أين؟
صباح الثامن من ديسمبر 2024 عاد الأمل لمعظم السوريين، مع أول أنباء عن سقوط النظام، عاد الأمل حتى لمن لم يشارك فعليًا بالثورة التي أطاحت بالنظام، لأن الأغلبية تريد نفض غبار الماضي وفتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا.
الآن، وبعد مرور 8 أشهر على هذا الحدث، يردد أغلب السوريين السؤال بقلق وتوجس: ما الذي ينتظرنا وينتظر سوريا حاليًا؟ خاصة في ظل ما نراه من قتل بعض السوريين لبعضهم البعض بأبشع ما يمكن تصوره، حالات لا تمت لسوريا ولا لحضارتها بأي صلة، وكأن هذا البعض – وبغض النظر عن انتمائه – يخرج ليس فقط عن وطنيته، ولا فقط عن المبادئ الدينية التي يحملها، بل يخرج حتى عن إنسانيته.
لا شك أن عدم الاستفادة من دروس الماضي يمكن، وبسهولة، أن يجعل الجواب قاتمًا .
ما ينتظر سوريا حاليًا متوقف على درجة وعي كل سوري حريص على بلده، ويريد أن يُنقذ هذا البلد الحضاري الرائع من أتون الطائفية والجهل والتمزيق.
نعلم أن الناس قد سئمت من التنظير والشعارات الرنانة، ولكن كل شخص يمكن أن يقوم بخطوات عملية، تبدأ بالتوقف عن نشر المواد التي تُحرّض طائفيًا، ونشر بدل ذلك قيم التسامح ولو بكلمات بسيطة، وعدم الدخول في سجالات عبثية. وأهم من كل ذلك: المساهمة في تكوين “الوعي بالمواطنة”.
محمود آغا