عندما وصل أول وآخر رئيس للاتحاد السوفيتي، ميخائيل غورباتشوف، إلى السلطة العام 1985 بعد أن اختاره المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي ليكون الأمين العام للحزب، شاهد العالم نمطاً جديداً من المسؤولين السوفييت: شخص يتحدث كثيراً إلى حد الثرثرة، مندفع إلى حد التهور، ومتردد إلى حد القلق. أذكر أن أحد زملائي الروس في الجامعة وصفه آنذاك بأنه زعيم “قليل الهيبة”.

صورة هذا الزعيم الثرثار وتصرفاته المتسارعة وغير المحسوبة كانت تعكس حقيقة تغيّرٍ كبيرٍ قادم سيشهده النظام العالمي آنذاك، وهذا ما حصل فعلاً. انهار الاتحاد السوفيتي بسرعة قياسية، ولحقه بشكل متسارع انهيار المنظومة الاشتراكية بأكملها، لتنتهي حقبة كانت تُعرف بـ”الحرب الباردة” التي أعقبت انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

اليوم يشهد العالم تصرفات وتصريحات رئيس أمريكي وصل إلى السلطة للمرة الثانية، له صفات مشتركة عدة مع غورباتشوف، يمكن اختصارها بأنه أيضاً رئيس “قليل الهيبة”. فهل هذه علامات على انهيار جديد في النظام العالمي الحالي، وأفول نجم أمريكا كقطب أحادي يقود العالم؟

ليس غورباتشوف هو المسؤول الأول عن انهيار الاتحاد السوفيتي، ولن يكون ترامب هو المسؤول عن انهيار أمريكا، لكن وجود مثل هؤلاء الأشخاص في سدة الحكم ضمن ظروف تاريخية معينة قد يُعتبر علامة من علامات اقتراب ساعة الانهيار، وبالتالي اقتراب وقت التغيير الحتمي. خصوصاً مع ما تشهده الصين التي تحقق تقدماً في تطوير اقتصادها في كل يوم أو حتى في كل ساعة، إضافة إلى التناقضات الأخرى بين أمريكا وأوروبا التي تتزايد مع انتشار رائحة حروب جديدة مع روسيا، وغير ذلك.

تصريحات “قللت هيبة” ترامب

قلة هيبة الرئيس ترامب تجلت بشكل واضح في تصريحاته المتكررة عن أحقيته في جائزة نوبل. لم يشهد تاريخ هذه الجائزة أن طالب بها شخص لنفسه، بهذه الصورة، خاصةً عندما يكون هذا الشخص بمكانة ترامب. الادعاء الممزوج بالشعبوية البعيدة عن الحقائق يُفقد أي شخص المصداقية، فكيف إذا كان رئيساً لأقوى دولة في العالم، حتى الآن على الأقل؟

هذه بعض التصريحات التي يمكن اعتبارها بأنها قللت من هيبة ترامب حول جائزة نوبل، منها ما قاله في مؤتمر صحفي عام 2024:

“لقد أوقفت ثماني حروب… لم يحدث ذلك من قبل. فعلت ذلك ليس من أجل الجائزة، بل لأنني أنقذت الكثير من الأرواح”.
الطريف أن من بين “الحروب” التي ادّعى ترامب أنه أوقفها حرباً بين ألبانيا وأذربيجان، وهما دولتان متباعدتان جغرافياً وليس بينهما أي خلافات! لعلّه كان يقصد هنا أرمينيا وأذربيجان.

وفي تصريح آخر في العام نفسه خلال تجمع انتخابي قال: “كان يجب أن يعطوني جائزة نوبل من أجل رواندا، وأيضاً إذا نظرت إلى الكونغو، أو يمكنك أن تقول صربيا وكوسوفو… لكن (الحرب) الكبرى هي الهند وباكستان”.
أما التصريح الأكثر مرارة وسخرية فكان عندما أبدى غيرته من منح الرئيس أوباما الجائزة، إذ كرر مراراً أن أوباما حصل عليها “من دون أن يفعل شيئاً”، وأضاف في إحدى المرات: “إنهم لا يعطونها لي لأنهم يمنحونها فقط لليساريين”.

هناك أكثر من عشرة تصريحات مماثلة لترامب عن أحقيته في الحصول على جائزة نوبل منذ العام 2019 حتى اليوم.

نعم، استطاع ترامب أخيراً إنجاز اتفاق باسمه نأمل أن يضع حداً لحرب الإبادة في قطاع غزة ويفضي إلى الإفراج المتبادل عن الأسرى والمحتجزين، لكنه في الوقت ذاته هو رئيس الدولة الوحيدة التي تزود إسرائيل بهذه الكميات الهائلة والنوعية من الأسلحة.

فكيف يمكن منح مثل هذه الجائزة لرئيس يقدم الدعم العسكري والسياسي بلا حدود لرئيس حكومة متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟

هذا فضلاً عن مساهمة ترامب في تقويض النظام الدولي الحالي، وفق ما نقلت وسائل إعلام عن مصادر في لجنة نوبل للسلام. وما شهدناه من تقليص تعاون الولايات المتحدة الدولي في مجالات حيوية مثل البيئة والمناخ ونشر الديمقراطية ودعم منظمات الإغاثة الدولية وغيرها.

هناك من يقول الآن، ربما من باب الدعابة القاسية أو الكوميديا السوداء، إن ترامب قد يُفسد اتفاق غزة لأنه “حرد” أو غضب من لجنة نوبل للسلام. حتى في النرويج، هناك من كان يخشى أن يعاقب ترامب البلاد اقتصادياً لأنه لم يحصل على الجائزة!

ومع ذلك، دعونا نتفاءل قليلاً، ولنقل إن ثرثرة ترامب الشعبوية وكثرة تصريحاته المتناقضة يجب ألا تقلل من كونه الرئيس الأمريكي القادر فعلاً على الحد من انتشار الحروب والتقليل من تداعيات الكوارث والأزمات العالمية.

وإذا كانت جائزة نوبل للسلام قد تشجعه وتُسهم في “هدايته” فيجب أن نلوم اللجنة النرويجية على اختيارها للسيدة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي لم نسمع بها من قبل.

لذلك، نقترح أن نَعِد ترامب بالجائزة في العام المقبل إذا “شدّ حاله” واستمر فعلاً في المساهمة بوقف الحروب، وامتنع عن الإفراط في الدعم العسكري والسياسي الذي يُغذيها.

محمود آغا