لطالما رفضت استخدام مصطلح “الأقليات” لوصف مكونات مجتمعاتنا في بلداننا الأصلية. كنت أراه انتقاصاً من قيمة الناس، وتقسيماً مصطنعاً بين أغلبية وأقلية، يضرب فكرة المواطنة من أساسها. لكن اللافت أن هذا الخلل في المفاهيم لم يتوقف هناك… بل انتقل معنا إلى السويد.

اليوم، لا يزال بعضنا يصرّ على وصف نفسه بـ”الغريب” أو “الضيف” حتى بعد سنوات من الإقامة أو بعد الحصول على الجنسية.

من خلال متابعة بعض التعليقات على موضوعات الكومبس، لاحظنا بعضهم يكرر عبارات مثل: “يا غريب كن أديباً” إضافة إلى استخدام كلمة “ضيف” وكأن كلمة “ضيف” أو “غريب” هي القاعدة التي تنظّم علاقتنا بالمجتمع. ولكن ماذا يعني أن تعتبر نفسك ضيفاً؟

ببساطة، أنت تضع نفسك خارج المجتمع، حتى لو كنت تعيش داخله. فالضيف لا يملك المكان، ولا يمكن أن يطالب بحقوق كاملة، وبالتالي لا يتحمّل مسؤوليات كاملة. وهنا تكمن المشكلة.

المجتمع السويدي، بقوانينه ومؤسساته، يقوم على مبدأ واضح: المواطنة تعني حقوقاً وواجبات متساوية.

خدمة لليمين المتطرف

والمجتمع السويدي لا يقبل بفكرة تحمل عبء استقبال وافدين جدد كي يبقوا غرباء أو ضيوف، الحكومات تدفع الكثير من الموارد لتخلق من القام الجديد مواطناً متكافئاً مع بقية المواطنين، والقوانين هنا كلها مصاغة ومصممة من أجل المساواة بين البشر. نعم هناك نزعات عنصرية متطرفة لا تريد أن تقبل بأي لاجئ ومهاجر من عرق أو ثقافة أخرى، وهؤلاء وللمفارقة يتوافقون مع أصحاب فكرة أن تبقى ضيفاً أو غريباً في السويد.

عندما يصرّ البعض على تعريف نفسه كضيف، أو كغريب فإنه، دون أن يدرك، يقدّم خدمة مجانية للخطاب اليميني المتطرف، الذي يروّج لفكرة أن هناك فئة من “الأجانب” لا تريد الاندماج.

الأمر لا يتوقف عندنا، بل قد يمتد إلى طريقة تفكير أطفالنا. بحسب تقارير الشرطة فإن العصابات، مثلاً، لا تبحث عن الأقوياء، بل عن المهمّشين والضعفاء، عن الأطفال الذين يشعرون بأنهم خارج المجتمع. والشعور بأنك “ضيف” أو “غريب” يعمّق الإحساس لديك بالتهميش وينتقل ذلك إلى أولادك.

في المقابل، هناك تناقض واضح: في بلداننا، نرفض تصنيف “الأقليات” لأنه ينتقص من حقوق الجميع،
وفي السويد، يقبل البعض طواعية أن يضع نفسه في موقع أدنى، تحت مسمى “ضيف”.

كلا المفهومين، ضيف وأقليات ينبع من خلل واحد هو ضعف فهم المواطنة. صحيح أن هناك تيارات عنصرية في السويد لا تريد قبول المهاجرين، لكن المفارقة أن هذه التيارات تلتقي بقصد أو دون قصد مع خطاب “نحن ضيوف”، لأن النتيجة واحدة: إبقاء الناس خارج دائرة المواطنة الكاملة.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك: لسنا ضيوفاً، ولسنا غرباء نحن جزء من هذا المجتمع، لنا ما له وعلينا ما عليه. وأي خطاب يضعنا في موقع أقل من ذلك، هو تنازل غير مبرر عن حق أساسي: حق أن نكون مواطنين كاملي الحقوق وغير منقوصي الكرامة.

محمود آغا